السيد محمد باقر الصدر

64

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

فنحن هنا لا نريد أن نناقش المنطق الأرسطي في صدق المبدأ الذي ينفي تكرّر الصدفة النسبيّة ، وإنّما نريد أن نناقشه في الطابع العقلي لهذا المبدأ واعتباره معرفة قبليّة . وعلى هذا الأساس نتساءل : ما هو الدليل الذي يستند إليه المنطق الأرسطي في التأكيد على الطابع العقلي لهذا المبدأ ؟ وكيف يمكن أن يثبت أنّه مبدأ عقلي مستقلّ عن التجربة ؟ كيف يثبت المنطق الأرسطي المبدأ العقلي ؟ والواقع أنّ المنطق الأرسطي لم يقم أيّ دليل على هذا المبدأ ؛ لأنّه يرى أنّ هذا المبدأ معرفة عقليّة أوليّة ، والمعارف العقليّة الأوّليّة بطبيعتها لا تحتاج إلى دليل ، ولا يمكن لأحد أن يبرهن عليها . فإنّ المنطق الأرسطي يقسّم المعارف العقليّة إلى قسمين : معارف أوّليّة ، ومعارف ثانويّة . فالمعارف الأوّليّة : هي المعلومات التي توجد بداهة في الذهن البشري ، من قبيل مبدأ عدم التناقض . والمعارف الثانويّة : هي المعلومات التي تستنتج من المعلومات الأوليّة ، من قبيل أنّ زوايا المثلّث تساوي قائمتين . فكلّ معرفة تنتمي إلى القسم الأوّل لا يمكن أن يبرهن عليها ؛ لأنّها أوليّة ، وليست مستنتجة . وكلّ معرفة تنتمي إلى القسم الثاني تحتاج إلى برهنة عليها عن طريق المعلومات الأوليّة . والمنطق الأرسطي يرى أنّ التجربة أحد المصادر الرئيسيّة للمعرفة ، وأنّ القضايا التجريبيّة هي من فئات القسم الأوّل ، أي أنّها معارف أوّليّة . وهذا يدلّ على أنّ المنطق الأرسطي يرى أنّ المبدأ العقلي - الذي يعتبره أساساً لتفسير الدليل الاستقرائي والتجربة - معرفة عقليّة أوليّة ، إذ لو كان معرفة ثانويّة مستنتجة من مقدّمات سابقة ، لما كانت التجربة مصدراً رئيساً للمعرفة ،