السيد محمد باقر الصدر

60

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

باستمرار ، ويستهدف من وراء ذلك إلى استنتاج رابطة سببيّة بين كلّ ظاهرتين يتكرّر اقترانهما باستمرار خلال الاستقراء ؛ لأنّ اقترانهما لو كان مجرّد صدفة نسبيّة لما تكرّر باستمرار ؛ لأنّ الصدفة النسبيّة لا تتكرّر باستمرار بصورة متماثلة ، فقد يتّفق مرّة أن تقترن الألف بالباء صدفة ، وفي مرّة ثانية وثالثة قد تقترن الألف بالباء صدفة أيضاً ، ولكن ليس من الممكن أن تقترن الألف بالباء صدفة في جميع المرّات ؛ لأنّ الصدف النسبيّة المتماثلة لا يمكن أن تتتابع . ويريد المنطق الأرسطي - بالتأكيد على أنّ هذا المبدأ عقلي قبلي - وضع أساس منطقي للدليل الاستقرائي وربطه بالمعرفة العقليّة المنفصلة عن التجربة بوصفه استنتاجاً منطقيّاً قياسيّاً من تلك المعرفة . حاجة المبدأ إلى صيغة محدّدة : ورغم كلّ هذه الإيضاحات السابقة ظلّت نقطة جوهريّة بحاجة إلى الإيضاح والتحديد في المبدأ الأرسطي للاستقراء ، وهي أنّ المبدأ الأرسطي ينفي تكرار الصدفة النسبيّة ، أي تتابع صدف نسبيّة متماثلة ، ولكن لا يحدّد درجة التكرار والتتابع الذي ينفيه . فهل ينفي تكرار الصدفة النسبيّة بالقدر الذي يستوعب كلّ عمر الطبيعة ، بما يضمّ من زمان حاضر وماضٍ ومستقبل ؟ أو ينفي تكرار الصدفة النسبيّة في مجال محدّد كمجال التجارب التي يقوم بها شخص ، أو التي تقع خلال فترة زمنيّة معيّنة ؟ فإن كان الأوّل ، فهو يعني أنّ الصدفة النسبيّة لا تتكرّر باستمرار مع امتداد عمر الطبيعة في الماضي والحاضر والمستقبل ، ولا ينفي المبدأ الأرسطي على هذا الأساس أن تتكرّر الصدفة النسبيّة في تجارب شخص واحد ، مهما كانت كثيرة ، أو في فترة محدّدة من الزمن مهما كانت طويلة .