السيد محمد باقر الصدر

61

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

ويترتّب على ذلك أنّ المبدأ الأرسطي إذا كان ينفي فقط التكرار المستوعب لعمر الطبيعة ، فلا يصلح أن يكون أساساً منطقيّاً لتبرير الدليل الاستقرائي واستنتاج رابطة السببيّة من تكرار الاقتران بين ظاهرتين ؛ لأنّنا سوف لن نستطيع أن نستبعد احتمال الصدفة النسبيّة ونكتشف السببيّة ، إلّاإذا عاصرنا الطبيعة في الماضي والحاضر والمستقبل ، وتأكّدنا من تكرّر الاقتران واستمراره في كلّ تلك الأزمنة ، وهذا شيء مستحيل من الناحية الواقعيّة . فيظلّ أيّ اقتران متكرّر بين ظاهرتين خلال عمليّة الاستقراء عاجزاً عن إثبات السببيّة بين الظاهرتين . وإذا كان التكرار الذي ينفيه المبدأ الأرسطي هو التكرار في مجال محدّد ، وبالقدر الذي يتيح أن يضع أساساً منطقيّاً لاكتشاف السببيّة في حالات الاستقراء ، فهذا يعني أنّ المبدأ الأرسطي يستهدف إثبات أنّ الصدفة النسبيّة لا تتكرّر باستمرار في عدد معقول من التجارب والمشاهدات التي يقوم بها الإنسان خلال عمليّة الاستقراء . فإذا قمنا بعدد معقول من التجارب لتخفيض درجة الحرارة في الماء إلى الصفر ، واقترن ذلك في جميع تلك التجارب بالانجماد ، استطعنا أن نستنتج على ضوء المبدأ الأرسطي أنّ انخفاض درجة الحرارة إلى الصفر هو السبب في الانجماد ، وليس اقترانهما مجرّد صدفة ؛ لأنّه لو كان صدفة لجاز أن يوجد مرّة أو مرّتين مثلًا ، ولما تكرّر باستمرار في كلّ التجارب التي قمنا بها . ويبقى على المبدأ الأرسطي بعد هذا أن يحدّد ذلك العدد المعقول من التجارب والمشاهدات الذي لا تتكرّر الصدفة النسبيّة فيه باستمرار ؛ لأنّ عدد التجارب والمشاهدات يختلف من استقراء إلى آخر ، ومن حالة إلى أخرى ، فإذا حدّد العدد الذي لا تتكرّر الصدفة النسبيّة فيه دائماً ، وجب على كلّ استقراء أن يصل بملاحظاته وتجاربه إلى ذلك العدد ، لكي يستطيع أن ينفي الصدفة ، ويبرهن على السببيّة بين الظاهرتين .