السيد محمد باقر الصدر
59
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
وأمّا الصدفة النسبيّة فليس فيها استحالة من وجهة نظر فلسفيّة ؛ لأنّها لا تتعارض مع مبدأ السببيّة ، فإنّ الاقتران بين انجماد ماءٍ وغليان ماءٍ آخر صدفةً لا ينفي نشوء كلّ من الانجماد والغليان عن سبب خاصّ ، هو انخفاض درجة الحرارة إلى الصفر في الأوّل ، وارتفاعها إلى مائة في الثاني . فهناك في هذا المثال ثلاثة اقترانات ، واحد منها تتمثّل فيه الصدفة النسبيّة ، وهو اقتران انجماد الماء بغليان الماء الآخر ، واثنان منها لا يعبّران عن صدفة ؛ لأنّهما يقومان على أساس رابطة السببيّة ، وهما اقتران الانجماد بانخفاض الحرارة من ناحية ، واقتران الغليان بارتفاعها من ناحية أخرى . وهكذا نعرف أنّ الاقتران بين حادثتين قد يكون مجرّد صدفة ، ونطلق عليها اسم الصدفة النسبيّة ، وقد يكون ناتجاً عن رابطة سببيّة بين الحادثتين . وهناك فارق ملحوظ - في تجاربنا جميعاً - بين هذين القسمين من الاقتران ؛ فالاقتران الناتج عن رابطة سببيّة مطّرد دائماً ، فمتى حدث انخفاض في درجة الحرارة إلى الصفر اقترن ذلك بالانجماد ، ومتى حصل برق وجد صوت الرعد . وأمّا الاقتران الذي يتمثّل في الصدفة النسبيّة فهو قد يحدث ولكنّه لا يطّرد ولا يتكرّر باستمرار ، فأنت قد يتّفق لك أن تجد صديقك أحياناً حين تفتح الباب وتهمّ بالخروج من بيتك ، ولكنّ هذا لا يطّرد في كلّ مرّة تفتح فيها الباب وتخرج من البيت على سبيل الصدفة ، ولو اطّرد ذلك لاستطعت أن تستنتج أنّ رؤيتك لصديقك كلّما فتحت الباب ليس صدفة ، بل نتيجة لحرص صديقك على أن يفاجئك دائماً بنفسه في كلّ مرّة تحاول فيها الخروج . والمنطق الأرسطي ينطلق من هذه النقطة ، فيقدّم لنا المبدأ التالي : ( إنّ الاتفاق لا يكون دائمياً ولا أكثريّاً ) ، بوصفه مبدأً عقليّاً قبليّاً ، وهو يريد بالاتفاق الصدفة النسبيّة ، ويقصد بهذا المبدأ التأكيد على أنّ الصدفة النسبيّة لا تتكرّر