السيد محمد باقر الصدر
563
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
تحقيقها - أي التصديق بالقضية إيجاباً أو سلباً - هو الأساس لتكوين معناها واكتسابها القدرة على إعطائنا الصورة الذهنية المناسبة لها . ولمّا كانت الخبرة الحسّية هي المجال الوحيد الذي يقوم على أساسه التصديق والمعرفة ، بحكم المذهب التجريبي ، فإمكان تحقيق القضية في مجال الخبرة الحسّية - إذن - هو الأساس لمعناها ، فكلّ قضية لا يمكن تحقيقها في مجال الخبرة الحسّية لا معنى لها . وعلى أساس هذا الموقف يتحوّل عدد من القضايا التي كان لها معنى بحكم الموقفين السابقين ، إلى جمل غير ذات معنى ، فالقضية القائلة : « هناك أمطار سقطت في بعض بقاع الأرض لم يرها أحد » قضية ذات معنى على أساس الموقف الأوّل ؛ لأنّ مفرداتها لها مدلولات مستمدّة من الخبرة الحسّية . وكذلك على أساس الموقف الثاني ؛ لأنّ تصوّرنا للخبرة الحسّية يتأثّر بافترأض صدق القضية وكذبها ، ولكنّها ليس لها معنى على أساس الموقف الثالث ، إذ ليس بالإمكان تحقيق صدق تلك القضية في مجال الخبرة الحسّية ؛ لأنّ أيّ مطر إذا أتيحت لنا رؤيته فسوف لن يكون مصداقاً لموضوع القضية . فالقضية إذن لا يمكن إثبات صدقها أو كذبها بالخبرة الحسّية ، فلا يكون لها معنى على أساس الموقف الثالث . هذه مواقف ثلاثة تجاه معنى القضية ، والتمييز بين القضية الخاوية والقضية المحتوية على معنى . والموقف الأوّل منها ليس شيئاً جديداً ، وإنّما يعبّر عن الاتجاه السائد في المذهب التجريبي منذ قال ( دافيد هيوم ) : إنّ كلّ فكرة هي نسخة من انطباع حسّي . فالمنطق الوضعي إذ يدعو إلى موقف جديد من معنى القضية ، يجب أن يقصد أحد الموقفين الأخيرين : الثاني أو الثالث ، ولنبدأ بالثالث :