السيد محمد باقر الصدر

564

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

نقد الموقف الثالث : إنّ المقياس الذي يضعه الموقف الثالث إذ يوحّد بين معنى القضية وإمكان تحقيقها لا يمكن قبوله ، للنقاط التالية : أوّلًا : إنّه يتضمّن تناقضاً ؛ لأنّ إمكان تحقيق القضية وإثبات صدقها وكذبها ، يفترض بنفسه أنّ للجملة صدقاً وكذباً بالإمكان إثباته أحياناً ، وليس بالإمكان إثباته أحياناً أخرى . فإمكان الإثبات صفة لاحقة للصدق والكذب ، ومترتّبة منطقياً على أن يكون للقضية صدق وكذب ، وبالتالي أن يكون لها معنى ، إذ لا صدق ولا كذب بدون معنى . وهذا يعني : أنّ القضية لا يمكن أن تستمدّ معناها وصورتها في الذهن من إمكان إثبات صدقها وكذبها ، ما دام هذا الإمكان يفترض مسبقاً معنى للقضية وصدقاً وكذباً . وثانياً : أنّ هناك قضايا ليست ذات معنى فحسب ، بل نعتقد عادة بصدقها ، ورغم ذلك ليس من الممكن إثبات صدقها أو كذبها بالخبرة الحسّية ، كالقضية القائلة : « إنّ خبرة الإنسان مهما امتدّت فسوف تظلّ هناك أشياء في الطبيعة لا تصل إليها الخبرة البشرية » أو « أنّ هناك أمطار قد وقعت ولم يرها إنسان » . إنّ قضايا من هذا القبيل تعتبر عادة صحيحة وصادقة ، رغم أنّ إثبات صدقها وتحقيقها بالخبرة الحسّية غير ممكن ؛ لأنّها تتحدّث عن أشياء لا تقع في الخبرة ، فلا يمكن اختبارها . ولا ينفع بهذا الصدد أن يفسّر إمكان التحقيق بالإمكان المنطقي ، بدلًا عن الإمكان الفعلي ؛ لأنّ استحالة التحقيق في هذه القضايا منطقية وليست فعلية أو مرحلية فحسب . وثالثاً : نتساءل ما هذه الخبرة الحسّية التي يجب أن يكون بالإمكان تحقيق القضية بها ، فهل يراد بذلك : أنّ القضية لكي تكون ذا معنى عندي يجب أن يكون