السيد محمد باقر الصدر
42
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
الاستدلال الاستقرائي . غير أنّ التفكير المعمّق منطقيّاً وفلسفيّاً يثير في هذا المجال عدّة اعتراضات ضدّ هذا اللون من التفكير الاعتيادي : فأوّلًا : يجب على الدليل الاستقرائي أن يثبت أنّ لكلّ ظاهرة طبيعيّة سبباً ( السببيّة العامّة ) ، إذ بدون إثباته ذلك يصبح من المحتمل أن يكون وجود التمدّد في الحديد غير مرتبط بأيّ سبب ، وإنّما هو وجود تلقائي . وإذا جاز أن يكون وجوداً تلقائيّاً بدون سبب ، فليس من الضروري أن يتكرّر إذا حدثت الحرارة مرّة أخرى في الحديد . وثانياً : إذا أتيح للدليل الاستقرائي أن يثبت أنّ لكلّ ظاهرة طبيعيّة سبباً ( أي يثبت السببيّة العامّة ) فهذا يعني أنّ تمدّد الحديد الذي شوهد خلال التجربة مرتبط بسبب معيّن ، ولكن لا يكفي ذلك لإثبات أنّ سبب التمدّد هو الحرارة التي اقترنت بهذا التمدّد في كلّ التجارب المتعاقبة ؛ لأنّا إذا نظرنا من زاوية السببيّة العامّة فحسب نجد أنّ من الممكن أن يكون السبب الذي يرتبط به تمدّد الحديد شيئاً آخر غير تعرّضه للحرارة ؛ لأنّ السببيّة العامّة تحكم بأنّ للتمدّد سبباً ، ولكنّها لا تعيّن نوعيّته . فيجب على الدليل الاستقرائي - بعد أن يثبت السببيّة العامّة - أن يفتّش عن برهان يثبت به أنّ سبب التمدّد في الحديد - مثلًا - هو الحرارة التي اقترن بها التمدّد خلال التجربة . ولا يصلح مجرّد الاقتران بين التمدّد والحرارة في التجربة برهاناً - من الناحية المنطقيّة - على السببيّة بينهما ؛ لأنّ الاقتران بينهما كما يمكن أن يكون نتيجة للسببيّة ، كذلك يمكن أن يكون مجرّد صدفة ويكون التمدّد مرتبطاً بسبب آخر اتّفق وجوده في نفس اللحظة التي وجدت فيها الحرارة في الحديد .