السيد محمد باقر الصدر

43

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

وهكذا أيّ ظاهرة إذا اقترنت بشيء خلال الاستقراء ، فإنّه لا يكفي هذا الاقتران لإثبات أنّ أحدهما سبب للآخر ، ما دام من الجائز أن يكون للظاهرة سبب آخر غير ملحوظ قد اقترن صدفة بالشيء الملحوظ خلال الاستقراء . وإذا جاز نظريّاً تفسير الاقتران بين الحرارة والتمدّد في التجربة [ الأولى ] على أساس الصدفة ، جاز استعمال نفس التفسير إذا تكرّر الاقتران في التجربة الثانية أيضاً ؛ لأنّ ما يجوز عقلًا في التجربة الأولى يجوز في التجربة الثانية أيضاً . وهكذا يظلّ احتمال الصدفة قائماً من الناحية المنطقيّة ، فلا يمكن للاقتران بين الظاهرتين مهما تكرّر أن يبرهن على السببيّة بينهما . ولنتّفق منذ الآن في بحوث هذا الكتاب - من أجل السهولة - على أن نعبّر عن الظاهرة التي يحاول الدليل الاستقرائي أن يثبت كونها سبباً ب ( أ ) أو ( الألف ) ، ونعبّر عن الظاهرة التي يحاول الدليل الاستقرائي أن يثبت ارتباطها بالظاهرة الأولى ب ( ب ) أو ( الباء ) ، ونعبّر عن الأمر الثالث الذي يحتمل أن يكون هو السبب الحقيقي لوجود ( ب ) بدلًا عن الألف ب ( ت ) أو ( التاء ) . وثالثاً : إذا أتيح للدليل الاستقرائي أن يثبت السببيّة العامّة في الطبيعة ، وأن يبرهن على أنّ الألف هو سبب الباء التي اقترنت به خلال الاستقراء ، أي أنّ الحرارة هي سبب التمدّد في الحديد مثلًا في الحالات التي شملها الاستقراء ، فيجب عليه أن يثبت أنّ هذا السبب سوف يظلّ في المستقبل - وفي كلّ الحالات التي لم تشملها التجربة فعلًا - سبباً لتلك الظاهرة ، إذ بدون إثبات ذلك لا يمكن أن نصل إلى تعميم شامل يؤكّد : أنّه كلّما وجد الألف في عالم الطبيعة اقترنت به الباء . هذه مشاكل ثلاث يمكن أن تثار عادة عند محاولة تفسير الدليل الاستقرائي ، وتبرير الطفرة التي يستبطنها .