السيد محمد باقر الصدر
397
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
وهكذا نعرف أنّ نجاح الدليل الاستقرائي في مرحلته الاستنباطية يتوقّف على شرطين : أحدهما : أن تكون الألفات فئة ذات مفهوم موحّد أو خاصيّة مشتركة ، وليست مجرّد تجميع أعمى لأشياء متفرّقة . والآخر : أن لا يلاحظ تميّز الألفات التي شملتها التجربة على سائر الألفات في خاصية مشتركة أخرى . ولنوضح كلا الشرطين في المثال التالي : افرض أنّك اخترت عشوائياً إنساناً من كلّ بلدٍ في العالم ، وتكوّنت بذلك مجموعة من الناس ، ولاحظت - وأنت تفحص عدداً من أفراد هذه المجموعة - : أنّهم بيض ، فلا يمكنك أن تستنتج من ذلك أنّ كلّ أفراد تلك المجموعة بيض ؛ لأنّ هذه المجموعة فئة مصطنعة لا تعبّر عن وحدة مفهومية . وعلى العكس ما إذا كوّنت من الزنوج فئة واحدة ، وبدأت تفحصها فلاحظت أنّ الأفراد التي فحصتها كانت سوداً ، فإنّ بإمكانك أن تعمّم استقرائياً وتقول : إنّ كلّ زنجي أسود ؛ لأنّ الفئة هنا ذات خاصية حقيقية مشتركة . وفي نفس هذه الفرضية لا يمكنك أن تعمّم أيّ حكم تصل إليه عن طريق الملاحظة لهذه الفئة - فئة الزنوج - على سائر أفراد الناس ، رغم أنّ الزنجي وغير الزنجي من الناس يعبّران عن خاصية إنسانية مشتركة ، ولكن وجود خاصية مشتركة لفئة الزنوج نفسها ، بنحو يميّزها عن غيرها ، يجعل أيّ تعميم من ذلك القبيل غير منطقي . وإذا كنّا قد عرفنا أنّ الاستقراء يتوقّف نجاحه على أن يتعامل مع وحدات مفهومية - أي مع خاصيات عامة مشتركة - وليس مع مجرّد مجاميع تصطنع اصطناعاً ، وإذا كنّا قد استنتجنا ذلك من الطريقة ذاتها التي فسّرنا بها المرحلة