السيد محمد باقر الصدر
396
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
وهذا التلازم له ما يبرّره ؛ لأنّنا عرفنا سابقاً أنّ السببيّة علاقة مفهوميّة ، أي أنّها علاقة ضرورة بين مفهومين ، فإذا ثبتت بين ألف مّا وباء مّا ، فهي ثابتة بينهما لا بوصفهما الشخصي بل بوصفهما المفهومي . وهذا يعني ثبوتها بين المفهومين ، وبالتالي بين كلّ ( أ ) و ( ب ) . ويترتّب على ذلك : أنّ من الضروري - لكي يمارس الدليل الاستقرائي مرحلته الاستنباطية - أن تنصبّ التجارب المتكرّرة على ألفاتٍ بينها وحدة مفهومية وخاصية مشتركة ، وليست مجرّد فئة مصطنعة نضمّ أعضاءها بعضاً إلى بعض اعتباطاً ، لكي تكون سببية تلك الخاصّية المفهومية المشتركة هي المحور الذي تتجمّع فيه كلّ القيم الاحتمالية التي في صالح السببيّة . وأمّا كيف نستطيع أن نعرف أنّ الألفات تعبّر عن وحدة مفهومية وخاصية مشتركة ؟ فهذا ما يتوقّف بدوره على الاستقراء ، وسوف اؤجّل الحديث عن هذه النقطة إلى القسم المقبل من الكتاب . وإذا كان من الضروري ، لكي تتحقّق المرحلة الاستنباطية من الدليل الاستقرائي ، أن تكون الألفات - التي امتدّت التجربة إليها - ذات خاصية مشتركة ، فهناك شرط آخر ضروري للتوصّل إلى تعميم النتيجة على كلّ الألفات الأخرى التي لم تستوعبها التجربة ، وهو أن لا توجد ، في حدود ما يتاح للملاحظ والمجرّب أن يعرفه ، خاصية مشتركة تميّز الألفات التي شملتها التجربة عن ألفات أخرى ، إذ في هذه الحالة تصبح الألفات التي استخدمناها في التجربة معبّرة عن مفهومين أو خاصيّتين : الأولى : خاصية شاملة للألفات الأخرى أيضاً ، والثانية : خاصية تتميّز بها عن سائر الألفات . والقيم الاحتمالية التي تبرهن على سببية الخاصية المشتركة لا تستطيع أن تعيّن الخاصية الأولى للسببية ، بل هي حيادية تجاه فرضية سببية كلّ من الخاصيّتين ، ويصبح التعميم على هذا الأساس بلا مبرّر .