السيد محمد باقر الصدر

34

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

وأمّا القضيّة التي يعلم فيها بثبوت المحمول للموضوع ولا يعلم بعلّة هذا الثبوت فليست برهانيّة ، ولا يمكن أن تدخل في البرهان على أيّ قضيّة أخرى « 1 » . هذا ما يعتقده المنطق الأرسطي في البرهان والقضيّة البرهانيّة . وعلى هذا الضوء : إذا افترضنا أنّ النتيجة التي يبرّرها الاستقراء الكامل لا تؤكّد سوى أنّ كلّ إنسان يجوع ، دون أن تشير إلى أنّ الإنسانيّة أو أيّ معنى عامّ محدّد هو العلّة في الجوع ، فليست هذه النتيجة قضيّة برهانيّة ، وبذلك ينهار صرح البرهان كلّه ؛ لأنّه يرتكز على المقدّمات الأوّليّة ، أي المبادئ الأولى للبرهان ، وهذه المقدّمات والمبادئ تستمدّ طابعها البرهاني ومبرّرها المنطقي في رأي أرسطو من الاستقراء الكامل . فإذا عجز الاستقراء الكامل عن إنتاج قضيّة برهانيّة - أي عن الكشف عن العلّة الحقيقيّة لثبوت المحمول للموضوع - فقدت بذلك المقدّمات الأوّليّة صفتها البرهانيّة وضرورتها المنطقيّة ، وبالتالي يتداعى بناء البرهان والعلم الأرسطي كلّه . 3 - إنّ استقراء الأفراد مهما كان شاملًا ومستوعباً لا يمتدّ خارج نطاق الأفراد التي وجدت فعلًا للمعنى الكلّي ؛ لأنّ الأفراد التي لم توجد بعد وبالإمكان أن توجد ، لا يمكن أن يشملها الاستقراء . فالمستقرئ بإمكانه - ولو من الناحية النظريّة - أن يفحص أو يتعرّف - ولو بصورة غير مباشرة - على حال كلّ فرد وجد من أفراد الإنسان ، فيجده يجوع ، ولكن ليس بإمكانه أن يفحص الأفراد الذين بالإمكان أن يوجدوا من الإنسان ولم يوجدوا فعلًا . وما دام عاجزاً عن فحص هؤلاء ، فلا يمكن للاستقراء أن يؤدّي إلى تعميم كلّي يشمل الأفراد الممكنة للكلّي جميعاً ، كالتعميم القائل : إنّ كلّ إنسان يجوع ، إلّابقفزة من الخاصّ إلى العامّ ، وبذلك يخرج الاستقراء عن كونه استقراءً كاملًا .

--> ( 1 ) البرهان لابن سينا : 28