السيد محمد باقر الصدر

35

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

فالاستقراء الكامل إذن لا يمكن أن يستخدم للاستدلال على القضايا الكلّية في العلوم استخداماً منطقيّاً على أساس مبدأ عدم التناقض ؛ لأنّ النتيجة فيها دائماً تجيء أكبر من المقدّمات ، نظراً لاستيعاب النتيجة لأفراد المستقبل والأفراد الممكنة التي لم يشملها الاستقراء . ولا فرق في ذلك بين أن نجعل الاستقراء منصبّاً على الجزئيّات : كخالد وبكر وزيد ، لاستخلاص حكم عامّ للنوع ، كالحكم القائل : كلّ إنسان يجوع . . . ، أو منصبّاً على الأنواع : كالإنسان والحصان والأسد ، لاستخلاص حكم عامّ للجنس كالحكم القائل : كلّ حيوان يموت . فإنّ كلًا من النوع أو الجنس لا يتمثّل من الناحية المنطقيّة في الأفراد أو الأنواع التي وجدت فعلًا فحسب ، بل إنّ بالإمكان منطقيّاً أن توجد للنوع أفراد أخرى ، وللجنس أنواع أخرى . ومن الطبيعي عندئذٍ أن يعجز الاستقراء عن إعطاء حكم عامّ على النوع أو الجنس ، وإنّما يؤدّي إلى حكم ممتدّ في حدود الأفراد الموجودة التي تمّ فحصها خلال عمليّة الاستقراء . وإضافة إلى ذلك إنّ الاستقراء وحده لا يمكن أن يثبت منطقيّاً ذلك الحكم إلّا في اللحظات التي تمّت فيها عمليّة الاستقراء ، فنحن حين نفحص خالداً فنجده يجوع ضمن استقرائنا الشامل لكلّ أفراد الإنسان ، لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بالحكم بأنّ خالداً يجوع في كلّ الحالات ؛ لأنّنا في استقرائنا لم نفحصه إلّافي حالة واحدة ، فتعميم الحكم بأ نّه يجوع لغير الحالة التي دخلت في استقرائنا الكامل مباشرة لا يمكن أن يستند منطقيّاً إلى عمليّة الاستقراء ، بل هو سير من الخاصّ إلى العامّ ، وبالتالي يستبطن الثغرة التي يواجهها كلّ دليل يسير من الخاصّ إلى العامّ . وهكذا نعرف : أنّ العلوم - بحكم اشتمالها على القضايا الكلّية - لا يمكن أن تقوم على أساس الاستقراء الكامل ، وتستمدّ قضاياها الرئيسيّة منه استمداداً