السيد محمد باقر الصدر
30
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
الأوسط بينهما ، وهكذا حتّى نصل في تسلسل متصاعد إلى المقدّمات الأوّليّة التي يثبت فيها المحمول للموضوع بذاته ، وبدون وسيط بينهما . وفي هذه المقدّمات لا يمكن أن نستخدم القياس في البرهنة على ثبوت المحمول للموضوع ؛ لأنّ القياس يتطلّب وسيطاً بينهما ولا وسيط بين الموضوع والمحمول في هذه المقدّمات ، فالطريق الوحيد الممكن افتراضه في رأي أرسطو للبرهنة على هذه المقدّمات هو الاستقراء الكامل . قال أرسطو : « وينبغي أن تعلم : أنّ الاستقراء ينتج أبداً المقدّمة الأولى التي لا واسطة لها ؛ لأنّ الأشياء التي لها واسطة ، بالواسطة يكون قياسها . أمّا الأشياء التي لا واسطة لها ، فإنّ بيانها يكون بالاستقراء ، والاستقراء من جهة يعارض القياس ؛ لأنّ القياس بالواسطة يبيّن وجود الطرف الأكبر في الأصغر ، وأمّا بالاستقراء فيبيّن بالطرف الأصغر وجود الأكبر في الأوسط » « 1 » .
--> ( 1 ) منطق أرسطو ، التحليلات الأولى ، المقالة الثانية ، الفصل الثالث والعشرون . وهذه التفرقة التي جاءت في هذا النصّ بين القياس والاستقراء تتضح من خلال المقارنة بين مثالين للقياس والاستقراء كما يتصوّرهما أرسطو : فنحن في القياس نقول : إذا كان شيء ما إنساناً فهو يجوع ، وإذا كان يجوع فهو يأكل ، ونستنتج من ذلك أنّ أيّ شيء إذا كان إنساناً فهو يأكل . وبهذا نكون قد أثبتنا - بطريقة قياسيّة - للإنسان المفترض ، صفة أنّه يأكل ، بتوسّط أن يجوع . والإنسان في هذا القياس هو الحدّ الأصغر ، وصفة أنّه يأكل هو الحدّ الأكبر ، وصفة أنّه يجوع هو الحدّ الأوسط . وهكذا ثبت الأكبر للأصغر عن طريق الحدّ الأوسط . ونحن في الاستقراء الكامل نقول : زيد وخالد وبكر هم كلّ أفراد الإنسان ، وزيد وخالد وبكر يأكلون ، فنستنتج من ذلك بطريقة استقرائيّة ، أنّ كلّ إنسان يأكل . وفي هذا الاستقراء -