السيد محمد باقر الصدر

18

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

الاستنباطي . وفي قولنا الثاني ، استنتجنا أنّ الحيوان - أيّ حيوان - يموت بطريقة استنباطيّة . وهذه النتيجة مساوية للمقدّمة التي ساهمت في تكوين الدليل عليها ، القائلة : الصامت يموت ، والناطق يموت ؛ لأنّ الصامت والناطق هما كلّ الحيوان بموجب المقدّمة الأخرى القائلة : الحيوان إمّا صامت وإمّا ناطق . ونريد بالاستقراء : كلّ استدلال تجيء النتيجة فيه أكبر من المقدّمات التي ساهمت في تكوين ذلك الاستدلال ، فيقال مثلًا : « هذه القطعة من الحديد تتمدّد بالحرارة ، وتلك تتمدّد بالحرارة ، وهذه القطعة الثالثة تتمدّد بالحرارة أيضاً ، إذن كلّ حديد يتمدّد بالحرارة » . وهذه النتيجة أكبر من المقدّمات ؛ لأنّ المقدّمات لم تتناول إلّاكميّة محدودة من قطع الحديد : ثلاثة أو أربعة . . . أو ملايين ، بينما النتيجة تناولت كلّ حديد وحكمت أنّه يتمدّد بالحرارة ، وبذلك شملت القِطع الحديديّة التي لم تدخل في المقدّمات ولم يجر عليها الفحص . ومن أجل هذا يعتبر السير الفكري في الدليل الاستقرائي معاكساً للسير في الدليل الاستنباطي الذي يصطنع الطريقة القياسيّة ، فبينما يسير الدليل الاستنباطي - وفق الطريقة القياسيّة - من العامّ إلى الخاص عادة ، يسير الدليل الاستقرائي - خلافاً لذلك - من الخاصّ إلى العام . ومنذ بدأ الإنسان يدرس مناهج الاستدلال والتفكير ويحاول تنظيمها منطقيّاً ، طرح على نفسه السؤال التالي : هب أنّ المقدّمات التي تقرّرها في الدليل الاستنباطي أو الدليل الاستقرائي ، صحيحة حقّاً فكيف يتاح لك أن تخرج منها بنتيجة ، وتتّخذ من تلك المقدّمات سبباً كافياً لتبرير الاعتقاد بهذه النتيجة ؟ وقد أدرك الإنسان لدى مواجهة هذا السؤال ، فارقاً أساسيّاً بين الاستنباط