السيد محمد باقر الصدر
19
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
والاستقراء ، واكتشف على هذا الأساس ثغرة في تركيب الدليل الاستقرائي ، لا يوجد في الدليل الاستنباطي ما يماثلها . ففي الاستنباط يرتكز استنتاج النتيجة من مقدّماتها - دائماً - على مبدأ عدم التناقض ، ويستمدّ مبرّره المنطقي من هذا المبدأ ؛ لأنّ النتيجة في حالات الاستنباط مساوية لمقدّماتها أو أصغر منها كما تقدّم ، فمن الضروري أن تكون النتيجة صادقة إذا صدقت المقدّمات ؛ لأنّ افتراض صدق المقدّمات دون النتيجة يستبطن تناقضاً منطقيّاً ما دامت النتيجة مساوية أو أصغر من مقدّماتها ، أي مستبطنة بكامل حجمها في تلك المقدّمات . وهكذا نجد أنّ الاستدلال الاستنباطي صحيح من الناحية المنطقيّة ، وأنّ الانتقال فيه من المقدّمات إلى النتيجة ضروري على أساس مبدأ عدم التناقض . وأمّا في حالات الاستقراء ، فإنّ الدليل الاستقرائي يقفز من الخاصّ إلى العامّ ؛ لأنّ النتيجة في الدليل الاستقرائي أكبر من مقدّماتها ، وليست مستبطنة فيها . فهو يقرّر في المقدّمات أنّ كميّة محدودة من قطع الحديد لوحظ تمدّدها بالحرارة ، ويخرج من ذلك بنتيجة عامّة ، وهي أنّ كلّ حديد يتمدّد بالحرارة . وهذا الانتقال من الخاصّ إلى العامّ لا يمكن تبريره على أساس مبدأ عدم التناقض ، كما رأينا في حالات الدليل الاستنباطي ؛ لأنّ افتراض صدق المقدّمات وكذب النتيجة لا يستبطن تناقضاً ، فبالإمكان أن نفترض أنّ تلك الكميّة المحدودة من القطع الحديديّة قد تمدّدت بالحرارة فعلًا ، ونفترض في نفس الوقت أنّ التعميم الاستقرائي القائل : إنّ كلّ حديد يتمدّد بالحرارة ، خطأ ، دون أن نقع في تناقض منطقي ؛ لأنّ هذا التعميم غير مستبطن في الافتراض الأوّل . وهكذا نعرف أنّ منهج الاستدلال في الدليل الاستنباطي منطقيّ ، ويستمدّ مبرّره من مبدأ عدم التناقض . وخلافاً لذلك منهج الاستدلال في الدليل