السيد محمد باقر الصدر
145
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
الواضح أنّ ( هيوم ) لا يسلّم بوجود علاقة من هذا القبيل ؛ لأنّه يرى أنّ العليّة علاقة بين الفكرتين لا بين الموضوعين ، وإن كانت علاقة بين الفكرتين فهذا يعني : أنّا حين نقرّر القضيّة القائلة : « إذا تعرّض هذا الحديد للحرارة تمدّد » نعني بذلك : أنّا إذا وجدت في ذهننا فكرة الحرارة فسوف ننتقل من هذه الفكرة ذهنيّاً إلى فكرة التمدّد ، فكلّما نتحدّث عن قضيّة شرطيّة من هذا القبيل ، فنحن نتحدّث عن العادة الذهنيّة التي هي التجسيد الحقيقي لعلاقة العلّة والمعلول في رأي هيوم . وإذا تأمّلنا في مغزى ذلك نجد أنّ هذا يعني أنّا نتحدّث عن المستقبل ، ولكن لا عن مستقبل الطبيعة في العالم الخارجي ، بل عن مستقبل ذهننا ، ونحكم بأنّ عادة النزوع عن فكرة العلّة إلى المعلول سوف تظلّ في المستقبل كما هي الآن . إذ لو لم نفترض ذلك فليس بإمكاننا القول بأنّ فكرة الحرارة إذا حدثت في ذهننا فسوف ننتقل منها إلى فكرة التمدّد . وهكذا نجد في النهاية أنّنا تورّطنا - عند تفسير القضيّة الشرطيّة - في ما رفضه هيوم منذ البدء ، وهو افتراض مشابهة المستقبل للحاضر والماضي . وبكلمة أخرى : إنّ مشابهة المستقبل للحاضر والماضي إذا كان من حقّنا افتراضها والتحدّث على أساسها ، فبإمكاننا إذن أن نستعمل هذا الافتراض بالنسبة إلى الواقع الموضوعي ، ونؤكّد موضوعيّاً القضيّة الشرطيّة القائلة : « إذا - أو كلّما - تعرّض الحديد للحرارة تمدّد » بدلًا عن أن نفسّر ذلك على أساس العادة والنزوع الذهني ، وإذا لم يوجد مبرّر موضوعي لافتراض مشابهة المستقبل للحاضر والماضي - كما يرى هيوم - فليس بالإمكان إذن أن نتحدّث عن مستقبل الذهن أيضاً ، ولا أن نفترض أنّ العادة الذهنيّة للانتقال من فكرة إلى فكرة سوف تظلّ في ذهني إلى دقيقة أخرى . وهذا يعني العجز عن تفسير أيّ قضيّة شرطيّة من قبيل : « إذا حدثت الحرارة في هذا الحديد فسوف يتمدّد » .