السيد محمد باقر الصدر
146
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
وهكذا نستخلص بوضوح : أنّ آراء ( هيوم ) لا تصلح لتفسير الدليل الاستقرائي ؛ لأنّ الدليل الاستقرائي لا يزوّدنا فقط بقضايا فعليّة ، بل يزوّدنا أيضاً بقضايا شرطيّة . 2 - إنّ ( هيوم ) يتمسّك بدليل لإثبات مفهومه الفلسفي عن الاستدلال الاستقرائي ، وعن العليّة بوصفها عادة ذهنيّة للانتقال من فكرة إلى فكرة ، فيقول : لِمَ نسوق من ألف مثال استدلالًا لا نسوقه من مثال واحد فحسب ، مع أنّ هذا المثال ليس مختلفاً في وجه من وجوهه عن تلك الأمثلة ؟ ويجيب على هذا السؤال : أنّ تفسير ذلك : أنّنا بينما نجد أنّ النتائج التي يسوقها العقل من تأمّل دائرة فحسب ، هي نفس النتائج التي يكوّنها من استعراض جميع الدوائر ، نلاحظ أنّنا لا نستطيع من رؤية جسم واحد يتحرّك بدفع آخر أن نستدلّ على أنّ كلّ جسم يتحرّك من دفع مماثل ؛ وذلك لأنّنا يلزم في الحالة الثانية أن نلاحظ تكرار الاقتران بين هذين الموضوعين ، ومن ثمّ نتهيّأ بالعادة إلى الاستدلال من أحدهما على الآخر . وعلى هذا فجميع الاستدلالات من التجربة هي إذن آثار للعادة ، لا للبرهنة العقليّة « 1 » . ويتلخّص هذا الدليل في أنّ التمييز في مجال الاستدلال على العليّة بين مثال واحد وأمثلة متعدّدة ، لا يمكن أن يفسّر إلّاعلى أساس ما يكوّنه تكرار الأمثلة من عادة ذهنيّة ، يعجز المثال الواحد عن إيجادها . ولكنّ الحقيقة أنّ تفسير ذلك ميسور بدون الأخذ بفرضيّات ( هيوم ) عن العليّة والدليل الاستقرائي ؛ لأنّ المثال الواحد لا ينفي في العادة احتمال الصدفة النسبيّة . فإذا لاحظنا في مرّة واحدة أنّ ( أ ) ترتّب عليه ( ب ) أمكن أن يكون
--> ( 1 ) فلسفة هيوم ، للدكتور محمّد فتحي الشنيطي : 182