السيد محمد باقر الصدر

127

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

ومع ذلك فلا نزال نقرّر أنّ ثمّة فرقاً واضحاً بين أن أتصوّر فكرة معيّنة لكائن معيّن ، وبين أن أعتقد أنّ ذلك الكائن الذي تصوّرت فكرته في ذهني موجود . ولمّا كان هذا الفرق - كما تقدّم - ليس في مقوّمات الفكرة ومحتواها ، إذن فلا بدّ أن يكون ناتجاً عن الطريقة التي نتصوّر بها الفكرة . أي أنّ صورة الفكرة ترتسم في أذهاننا على نحو مّا فتكون مجرّد فكرة ، ثمّ ترتسم على نحو آخر فتصبح اعتقاداً بوجود الشيء الذي تمثّله تلك الفكرة . ثانياً : إنّ مردّ هذا الفرق في طريقة ارتسام الفكرة في ذهننا إلى ما تتمتّع به من قوّة وما تمتلئ به من حيويّة ، فإذا كانت فكرتنا عن الشيء مجدبة خافتة ليس فيها قوّة وحيويّة فهي مجرّد تصوّر . وإذا كانت زاخرة بالحيويّة والقوّة فهي اعتقاد . وعلى ذلك فالاعتقاد لا يتناول بالتغيير إلّاالنحو الذي نتصوّر الموضوع في كنفه ، فإنّ في وسع الاعتقاد أن يبسط على أفكارنا قوّة ويمدّها بحيويّة . ومن هنا أمكن لنا أن نعرّف الاعتقاد بأ نّه : فكرة حيّة قويّة . بينما التصوّر يعبّر عن نفس الفكرة إذاخلت من الحياة والقوّة . وهذه الحيويّة التي تميّز الاعتقاد عن التصوّر تستمدّها الفكرة من الانطباع ، وذلك إمّا بأن تكون الفكرة هي نفسها نسخة لانطباع من الانطباعات وصورة له ، فتستمدّ من حيويّته وقوّته ما ينعشها ويجعلها اعتقاداً ، وإمّا أن تكون الفكرة مرتبطة - برابطة العلّة والمعلول - بفكرة أخرى ذات انطباع مباشر ، فتستمدّ تلك الفكرة الأخرى الحيويّة من الانطباع الذي تصوّره ، ثمّ تفيض بحيويّتها على الفكرة الأولى المرتبطة بها . ولنعلّق فيما يلي على هذين الأمرين : أمّا الأمر الأوّل : فنحن نتّفق مع ( هيوم ) في أنّ الاعتقاد لا يمتاز على التصوّر بإضافة عنصر الوجود إلى محتواه أو أيّ عنصر آخر ، وإنّما يمتاز عليه