السيد محمد باقر الصدر
94
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
وجواز التناقض يؤدّي إلى انهيار جميع المعارف والعلوم ، وعدم تمكّن التجربة من إزاحة الشكّ والتردّد في أيّ مجال من المجالات العلمية ؛ لأنّ التجارب والأدلّة مهما تظافرت على صدق قضية علمية معيّنة كقضية ( الذهب عنصر بسيط ) ، فلا يمكننا أن نجزم بأ نّها ليست كاذبة ما دام من الممكن أن تتناقض الأشياء وتصدق القضايا وتكذب في وقت معاً . الرابع : أنّ مبدأ العلّية لا يمكن إثباته عن طريق المذهب التجريبي ، فكما أنّ النظرية الحسّية كانت عاجزة عن إعطاء تعليل صحيح للعلّية كفكرة تصوّرية ، كذلك المذهب التجريبي يعجز عن البرهنة عليها بصفتها مبدأ وفكرة تصديقية ؛ فإنّ التجربة لا يمكنها أن توضّح لنا إلّاالتعاقب بين ظواهر معيّنة ، فنعرف عن طريقها أنّ الماء يغلي إذا صار حارّاً بدرجة مئة ، وأ نّه يتجمّد حين تنخفض درجة حرارته إلى الصفر ، وأمّا سببية إحدى الظاهرتين للُاخرى والضرورة القائمة بينهما فهي ممّا لا تكشفها وسائل التجربة مهما كانت دقيقة ومهما كرّرنا استعمالها « 1 » . وإذا انهار مبدأ العلّية انهارت جميع العلوم الطبيعية كما ستعرف .
--> ( 1 ) وقد أكّد المؤلّف قدس سره في كتابه « الأسس المنطقيّة للاستقراء » أنّ مبدأ العليّة وسائر قضايا السببيّة التي تتضمّن معنى الضرورة واستحالة الانفكاك وإن كانت لا تخضع لوسائل التجربة مهما كانت دقيقة ، ولهذا يعجز المذهب التجريبي عن إثباتها ، ولكن يمكن إثباتها بالاستقراء في ضوء المذهب الذاتي للمعرفة ، وهذا لا يعني رفض المصدر العقلي القبلي لهذه القضايا ، بل يعني أنّا حتّى لو استبعدنا العلم العقلي القبلي بهذه القضايا يظلّ بالإمكان إثباتها في عالم الطبيعة عن طريق الاستقراء ، وهذا ما أشار إليه في مناقشته للاتّجاه الأوّل من اتّجاهات المذهب التجريبي في الكتاب المذكور ، كما أنّه مشمول أيضاً لما أكّد عليه - في القسم الرابع من نفس الكتاب - من إمكان الاستدلال استقرائيّاً على جميع القضايا الأوّليّة والفطريّة عدا ما استثناه ، فراجع . ( لجنة التحقيق )