السيد محمد باقر الصدر
95
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
وقد اعترف بعض التجريبيين ك ( دافيد هيوم ) و ( جون ستيوارت ميل ) بهذه الحقيقة ، ولذلك فَسَّر ( هيوم « 1 » ) عنصر الضرورة في قانون العلّة والمعلول بأ نّه راجع إلى طبيعة العملية العقلية التي تستخدم في الوصول إلى هذا القانون قائلًا : إنّ إحدى عمليات العقل إذا كانت تستدعي دائماً عملية أخرى تتبعها بدون تخلّف فإنّه ينمو بين العمليّتين بمضيّ الزمن رابطة قوية دائمة هي التي نسمّيها رابطة تداعي المعاني ، ويصحب هذا التداعي نوع من الإلزام العقلي بحيث يحصل في الذهن المعنى المتّصل بإحدى العمليتين العقليتين كما حدث المعنى المتّصل بالعملية الأخرى ، وهذا الإلزام العقلي أساس ما نسمّيه بالضرورة التي ندركها في الرابطة بين العلّة والمعلول . وليس من شكّ في أنّ هذا التفسير للضرورة القائمة بين العلّة والمعلول ليس صحيحاً ؛ لما يأتي : أوّلًا : أنّه يلزم على هذا التفسير أن لا نصل إلى قانون العلّيّة العامّ إلّابعد سلسلة من الحوادث والتجارب المتكرّرة التي تحكم الرباط بين فكرتي العلّة والمعلول في الذهن ، مع أنّه ليس من الضروري ذلك ؛ فإنّ العالم الطبيعي يستطيع أن يستنتج علاقة علّية وضرورة بين شيئين يقعان في حادثة واحدة ، ولا يزداد يقينه شيئاً عمّا كان عليه عند مشاهدته الحادثة للمرّة الأولى ، كما لا تزداد علاقة العلّية قوّة بتكرار حوادث أخرى يوجد فيها المعلول والعلّة نفسها . وثانياً : لندع الظاهرتين المتعاقبتين في الخارج ، ولنلاحظ فكرتيهما في الذهن - أي : فكرة العلّة وفكرة المعلول - فهل العلاقة القائمة بينهما علاقة ضرورية أو علاقة مقارنة كما يقترن تصوّرنا للحديد بتصوّرنا للسوق
--> ( 1 ) راجع قصّة الفلسفة الحديثة 1 : 155 - 158