السيد محمد باقر الصدر
93
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
ومع ذلك فنحن لا نعتبرها مستحيلة ، ولا نسلب عنها إمكان الوجود كما نسلبه عن الأشياء المستحيلة ، فكم يبدو الفرق جليّاً بين اصطدام القمر بالأرض ، أو وجود بشر في المرّيخ ، أو وجود إنسان يتمكّن من الطيران لمرونة خاصّة في عضلاته من ناحية ، وبين وجود مثلّث له أربعة أضلاع ، ووجود جزء أكبر من الكلّ ، ووجود القمر حال انعدامه من ناحية أخرى . فإنّ هذه القضايا جميعاً لم تتحقّق ولم تقم عليها تجربة ، فلو كانت التجربة هي المصدر الرئيسي الوحيد للمعارف لما صحّ لنا أن نفرّق بين الطائفتين ؛ لأنّ كلمة التجربة فيهما معاً على حدّ سواء ، وبالرغم من ذلك فنحن جميعاً نجد الفرق الواضح بين الطائفتين : فالطائفة الأولى لم تقع ولكنّها جائزة ذاتياً ، وأمّا الطائفة الثانية فهي ليست معدومة فحسب ، بل لا يمكن أن توجد مطلقاً ، فالمثلّث لا يمكن أن يكون له أضلاع أربعة سواءٌ اصطدم القمر بالأرض أم لا . وهذا الحكم بالاستحالة لا يمكن تفسيره إلّاعلى ضوء المذهب العقلي بأن يكون من المعارف العقلية المستقلّة عن التجربة . وعلى هذا الضوء يكون التجريبيون بين سبيلين لا ثالث لهما : فإمّا أن يعترفوا باستحالة أشياء معيّنة كالأشياء التي عرضناها في الطائفة الثانية ، وإمّا أن ينكروا مفهوم الاستحالة من الأشياء جميعاً . فإن آمنوا باستحالة أشياء - كالتي ألمحنا إليها - كان هذا الإيمان مستنداً إلى معرفة عقلية مستقلّة لا إلى التجربة ؛ لأنّ عدم ظهور شيء في التجربة لا يعني استحالته . وإن أنكروا مفهوم الاستحالة ولم يقرّوا باستحالة شيء مهما كان غريباً لدى العقل فلا يبقى على أساس هذا الإنكار فرق بين الطائفتين اللتين عرضناهما وأدركنا ضرورة التفرقة بينهما ، وإذا سقط مفهوم الاستحالة لم يكن التناقض مستحيلًا - أي : وجود الشيء وعدمه ، وصدق القضية وكذبها في لحظة واحدة -