السيد محمد باقر الصدر
139
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
- الأشياء الموضوعية - فليست موجودة ؛ لأنّها ليست مدرَكة . ويتناول ( باركلي ) في بحثه بعد ذلك الأجسام التي يسمّيها الفلاسفة بالجواهر المادّية ليخفيها عن مسرح الوجود قائلًا : إنّنا لا ندرِك من المادّة التي يفترضونها إلّامجموعة من التصوّرات الذهنية والظواهر الحسّية : كاللون والطعم ، والشكل ، والرائحة ، وما إليها من صفات . ويعقب ( باركلي ) على مفهومه المثالي عن العالم مؤكِّداً أنّه ليس سوفسطائياً ولا شاكّاً في وجود العالم وما فيه من حقائق وكائنات ، بل هو يعترف بوجود ذلك كلّه من ناحية فلسفية ، ولا يختلف من هذه الناحية عن سائر الفلاسفة ، وإنّما يتفاوت عنهم في تحديد مفهوم الوجود . فالوجود عند ( باركلي ) ليس بمعناه عند الآخرين ، فما هو موجود في رأيهم يؤمن ( باركلي ) بوجوده أيضاً ، ولكن على طريقته الخاصّة في تفسير الوجود ، التي تعني : أنّ وجود الشيء عبارة عن وجوده في إدراكنا ، أي : إدراكنا له . ويعترض بعد ذلك سؤال بين يدي ( باركلي ) هو : إذا كانت المادّة غير موجودة فمن أين يمكن - إذن - أن نأتي بالإحساسات التي تنبثق في داخلنا كلّ لحظة ، من دون أن يكون لإرادتنا الذاتية تأثير في انبثاقها وتتابعها ؟ والجواب عند ( باركلي ) جاهز ، وهو : أنّ اللَّه نفسه يبعث تلك الإحساسات فينا . وهكذا انتهى ( باركلي ) من مطافه الفلسفي وقد احتفظ لنفسه بحقيقتين إلى جانب الإدراك : إحداهما العقل ( الذات المدرِكة ) ، والأخرى هي اللَّه ( الحقيقة الخلّاقة لإحساساتنا ) . وهذه النظرية تلغي مسألة المعرفة الإنسانية ودراسة قيمتها من ناحية موضوعية إلغاءً تاماً ؛ لأنّها لا تعترف بموضوعية الفكر والإدراك ، ووجود شيء