السيد محمد باقر الصدر

140

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

خارج حدودهما . وينتاب المفهوم المثالي عند ( باركلي ) شيء من الغموض قد يجعل من الممكن أن يُقدَّم له عدّة تفسيرات ، تتفاوت مفاهيمها في درجة مثاليتها وتعمّقها في النزعة التصوّرية . ونحن نأخذ أعمق تلك المفاهيم في المثالية ، وهو : المفهوم المثالي البحت الذي لا يعترف بشيء عدا وجود النفس المدرِكة والإحساسات والإدراكات التي تتتابع في داخلها ، وهذا المفهوم هو الذي يشعّ من أكثر بياناته الفلسفية ، وينسجم مع الأدلّة التي حاول إثبات مفهومه المثالي بها ، وتتلخّص الأدلّة على هذا المفهوم فيما يأتي : الدليل الأوّل - أنّ جميع الإدراكات البشرية ترتكز على الحسّ وترجع إليه ، فالحسّ هو القاعدة الرئيسية لها ، وإذا حاولنا اختبار هذه القاعدة وجدناها مشحونة بالتناقضات والأخطاء : فحاسّة البصر تتناقض دائماً في رؤيتها للأجسام عند قربها وبعدها ، فهي تدرِكها صغيرة الحجم إذا كانت بعيدة عنها ، وتدركها بحجم أكبر إذا كانت قريبة منها . وحاسّة اللمس هي أيضاً تتناقض ، فقد ندرك بها شيئاً واحداً إدراكين مختلفين ، ويوضّح ( باركلي ) بعد ذلك فيقول : اغمس يديك في ماء دافئ ، بعد أن تغمس إحداهما في ماء ساخن والأخرى في ماء بارد ، أفلا يبدو الماء بارداً لليد الساخنة وساخناً لليد الباردة ؟ فهل يجب - إذن - أن نقول عن الماء : إنّه ساخن وبارد في نفس الوقت ؟ ! أوَ ليس هذا هو الكلام الفارغ بعينه ؟ ! وإذن فلتستنتج معي : أنّ الماء في ذاته لا يوجد كمادّة مستقلًا عن وجودنا ، فهو ليس سوى اسم نطلقه نحن على إحساسنا ، فالماء يوجد فينا نحن . وفي كلمة واحدة : المادّة هي الفكرة التي نضعها عن المادّة . وإذا كانت الإحساسات فارغة عن كلّ حقيقة موضوعية للتناقضات الملحوظة فيها ، لم تبقَ للمعرفة البشرية قيمة موضوعية مطلقاً ؛ لأنّها ترتكز بصورة عامّة على الحسّ ، وإذا انهارت القاعدة