السيد محمد باقر الصدر

103

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

ولكن بقي علينا أن ندرس من المذهب العقلي نقطة واحدة ، وهي : أنّ المعلومات الأوّلية إذا كانت عقلية وضرورية ، فكيف يمكن أن يُفسَّر عدم وجودها مع الإنسان منذ البداية ، وحصوله عليها في مرحلة متأخّرة عن ولادته ؟ ! وبكلمة أخرى : أنّ تلك المعلومات إذا كانت ذاتية للإنسان فيجب أن توجد بوجوده ، ويستحيل أن يخلو منها لحظة من حياته ، وإذا لم تكن ذاتية لزم أن يوجد لها سبب خارجي لها وهو التجربة ، وهذا ما لا يوافق عليه العقليون . والواقع : أنّ العقليين حين يقرّرون أنّ تلك المبادئ ضرورية في العقل البشري يعنون بذلك : أنّ الذهن إذا تصوّر المعاني التي تربط بينها تلك المبادئ فهو يستنبط المبدأ الأوّلي دون حاجة إلى سبب خارجي . ولنأخذ مبدأ عدم التناقض مثالًا ، إنّ هذا المبدأ - الذي يعني : الحكم التصديقي بأنّ وجود الشيء وعدمه لا يجتمعان - ليس موجوداً عند الإنسان في لحظة وجوده الأوّلي ؛ لأنّه يتوقّف على تصوّر الوجود ، وتصوّر العدم ، وتصوّر الاجتماع . وبدون تصوّر هذه الأمور لا يمكن التصديق بأنّ الوجود والعدم لا يجتمعان ؛ فإنّ تصديق الإنسان بشيء لم يتصوّره أمر غير معقول ، وقد عرفنا عند محاولة تعليل التصوّرات الذهنية أنّها ترجع جميعاً إلى الحسّ ، وتنبثق عنه بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، فيجب أن يكتسب الإنسان مجموعة التصوّرات التي يتوقّف عليها مبدأ عدم التناقض عن طريق الحسّ ؛ ليتاح له أن يحكم بهذا المبدأ ويصدّق به ، فتأخّر ظهور هذا المبدأ في الذهن البشري لا يعني أنّه ليس ضرورياً وليس منبثقاً عن صميم النفس الإنسانية بلا حاجة إلى سبب خارجي ، بل هو ضروري ونابع عن النفس بصورة مستقلّة عن التجربة ، ولكن التصوّرات الخاصّة شرائط وجوده وصدوره عن النفس ، وإذا شئت فقس النفس