السيد محمد باقر الصدر

104

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

والمبادئ الأوّلية بالنار وإحراقها ، فكما أنّ إحراق النار فعّالية ذاتية للنار ، ومع ذلك لا توجد هذه الفعّالية إلّافي ظلّ شروط ، أي : في ظروف ملاقاة النار لجسم يابس ، كذلك الأحكام الأوّلية فإنّها فعّاليات ضروريّة وذاتية للنفس في الظروف التي تكتمل عندها التصوّرات اللازمة . وإذا أردنا أن نتكلّم على مستوىً أرفع قلنا : إنّ المعارف الأوّلية وإن كانت تحصل للإنسان بالتدريج ، ولكن هذا التدريج ليس معناه أنّها حصلت بسبب التجارب الخارجية ؛ لأنّنا برهنّا على أنّ التجارب الخارجية لا يمكن أن تكون المصدر الأساسي للمعرفة ، بل التدرّج إنّما هو باعتبار الحركة الجوهرية والتطوّر في النفس الإنسانية ، فهذا التطوّر والتكامل الجوهري هو الذي يجعلها تزداد كمالًا ووعياً للمعلومات الأوّلية والمبادئ الأساسية ، فيتفتّح ما كمن فيها من طاقات وقوىً . وهكذا يتّضح : أنّ الاعتراض على المذهب العقلي بأ نّه : لماذا لم توجد المعلومات الأوّلية مع الإنسان حين ولادته ، يبتني على عدم الاعتراف بالوجود بالقوّة ، وباللاشعور الذي تدلّ عليه الذاكرة بكلّ وضوح ، وإذن فالنفس الإنسانية بذاتها تنطوي بالقوّة على تلك المعارف الأوّلية ، وبالحركة الجوهرية يزداد وجودها شدّة ، حتّى تصبح تلك المدركات بالقوّة مدركات بالفعل . الماركسية والتجربة : إنّ المذهب التجريبي الذي عرضناه سابقاً يطلق على رأيين في مسألة المعرفة : أحدهما الرأي القائل : بأنّ المعرفة كلّها تتوفّر في المرحلة الأولى ، أي : مرحلة الإحساسات والتجارب البسيطة .