سليمان بن حسان الأندلسي ( ابن جلجل )
مقدمة 14
طبقات الأطباء والحكماء
[ قال ابن جلجل ] : « إن كتاب ديسقوريدوس ترجم بمدينة السلام ( بغداد ) في الدولة العباسية ، في أيام جعفر المتوكل ، وكان المترجم له اصطفن بن بسيل الترجمان ، من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي ، وتصفح ذلك حنين بن إسحاق المترجم ، فصحح الترجمة وأجازها ، فما علم اصطفن من تلك الأسماء اليونانية في وقته له اسما في اللسان العربي ، فسره بالعربية ، وما لم يعلم له في اللسان العربي اسما تركه في الكتاب على اسمه اليوناني ، اتكالا منه على أن يبعث اللّه بعده ، من يعرف ذلك ويفسره باللسان العربي ، إذ التسمية لا تكون إلا بالتواطؤ من أهل كل بلد على أعيان الأدوية بما رأوا ، وأن يسموا ذلك ، إما باشتقاق وإما بغير ذلك من تواطئهم على التسمية ، فاتكل اصطفن على شخوص يأتون بعده ممن قد عرف أعيان الأدوية التي لم يعرف هو لها اسما في وقته ، فيسميها على قدر ما سمع في ذلك الوقت ؛ فيخرج إلى المعرفة . قال ابن جلجل : وورد هذا الكتاب إلى الأندلس وهو على ترجمة اصطفن ، منه ما عرف له اسما بالعربية ومنه ما لم يعرف له اسما ، فانتفع الناس بالمعروف منه بالمشرق وبالأندلس ، إلى أيام الناصر عبد الرحمن بن محمد وهو يومئذ صاحب الأندلس ، فكاتبه أرمانيوس الملك ( Romanos ) ملك القسطنطينية أحسب في سنة 337 ه . وهاداه بهدايا لها قدر عظيم ، فكان في جملة هديته كتاب ديسقوريدوس مصور الحشائش بالتصوير الرومي العجيب . وكان الكتاب مكتوبا بالإغريقى الذي هو اليوناني ، وبعث معه كتاب هروسيس صاحب القصص ، وهو تاريخ للروم عجيب ، فيه أخبار الدهور ، وقصص الملوك الأول ، وفوائد عظيمة . وكتب أرمانيوس في كتابه إلى الناصر ، إن كتاب ديسقوريدس لا تجتنى فائدته ، إلا برجل يحسن العبارة باللسان اليوناني ، ويعرف أشخاص تلك الأدوية ، فإن كان في بلدك من يحسن ذلك ، فزت أيها الملك بفائدة الكتاب . وأما كتاب هروسيس فعندك في بلدك من اللطينيين من يقرأ باللسان اللاطينى ، وإن كشفتهم عنه نقلوه لك من اللاطينى إلى اللسان العربي . قال ابن جلجل : ولم يكن يومئذ بقرطبة من نصارى الأندلس من يقرأ اللسان الإغريقى الذي هو اليوناني القديم ، فبقى كتاب ديسقوريدس في خزانة عبد الرحمن الناصر باللسان الإغريقى ، ولم يترجم إلى اللسان العربي ، وبقي الكتاب بالأندلس ،