سليمان بن حسان الأندلسي ( ابن جلجل )

مقدمة 15

طبقات الأطباء والحكماء

والذي بين أيدي الناس بترجمة اصطفن الواردة من مدينة السلام ( بغداد ) فلما جاوب الناصر مارينوس الملك ، سأله أن يبعث إليه برجل يتكلم بالإغريقى واللاطينى ، ليعلم له عبيدا يكونون مترجمين . فبعث أرمانيوس الملك إلى الناصر براهب كان يسمى نيقولا , ( Nicola ) فوصل إلى قرطبة سنة 340 ه . وكان يومئذ بقرطبة من الأطباء ، قوم لهم بحث وتفتيش وحرص على استخراج ما جهل من أسماء عقاقير ديسقوريدس العربية ، وكان أبحثهم وأحرصهم على ذلك من جهة التقرب إلى الملك عبد الرحمن الناصر ، حسداى بن شبروط الإسرائيلى . وكان نيقولا الراهب عنده أحظى الناس وأخصهم به ، وفسر من أسماء عقاقير كتاب ديسقوريدس ما كان مجهولا ، وهو أول من عمل بقرطبة ترياق الفاروق على تصحيح الشجارية التي فيه ، وكان في ذلك الوقت من الأطباء الباحثين عن تصحيح أسماء عقاقير الكتاب وتعيين أشخاصه ، محمد المعروف بالشجار ، ورجل كان يعرف بالبسباسى ، وأبو عثمان الحزاز الملقب باليابسة ، ومحمد بن سعيد الطبيب ، وعبد الرحمن بن إسحاق بن هيثم ، وأبو عبد اللّه الصقلى ، وكان يتكلم باليونانية ، ويعرف أشخاص الأدوية . قال ابن جلجل : وكان هؤلاء النفر كلهم في زمان واحد مع : أدركتهم وأدركت نقولا الراهب في أيام المستنصر ، وصحبتهم في أيام المستنصر الحكم ، وفي صدر دولته مات نقولا الراهب ، فصح ببحث هؤلاء النفر الباحثين عن أسماء عقاقير كتاب ديسقوريدس ، وتصحيح الوقوف على أشخاصها بمدينة قرطبة خاصة بناحية الأندلس . ما أزال الشك فيها عن القلوب ، وأوجب المعرفة بها والوقوف على أشخاصها ، وتصحيح النطق بأسمائها بلا تصحيف إلا القليل منها الذي لا بال به ولا خطر له ، وذلك يكون في مثل عشرة أدوية . قال [ ابن جلجل ] : وكان لي في معرفة تصحيح هيولى الطب الذي هو أصل الأدوية المركبة ، حرص شديد وبحث عظيم ، حتى وهبني اللّه من ذلك بفضله بقدر ما اطلع عليه من نيتي ، في إحياء ما خفت أن يدرس ، وتذهب منفعته لأبدان الناس ، فاللّه قد خلق الشفاء وبثه فيما أنبته من الأرض واستقر عليها من الحيوان المشاء ، والسابح في الماء والمنساب ، وما يكون تحت الأرض في جوفها من المعدنية ، كل ذلك فيه شفاء ورحمة ورفق » .