نخبة من الأكاديميين
99
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
عن الشخصيات التاريخية الحقيقية التي قادت الصراع بالفعل . وكان هؤلاء الأبطال الشعبيون هم الذين وقع عليهم العبء كله في تلك الحكايات الشعبية ، مثلما كانوا في الحقيقة وقود الحرب ضد الصليبيين . من ناحية أخرى ، تجسدت في حكايات ألف ليلة وليلة الأبعاد الثلاثة التي صور من خلالها الخيال الشعبي الصراع بين المسلمين والفرنج الصليبيين يتمحور حول : أ ) البعد العسكري وقيم البطولة والشجاعة والبسالة ، وقد جسدت هذا البعد حكاية « الملك نعمان وولديه شركان وضوء المكان » . ب ) البعد الجنسي الذي جسدته حكاية « علي نور الدين ومريم الزنارية » . ج ) البعد الديني الذي بدا واضحًا في حكاية « الصعيدي وزوجته الفرنجية » . لقد رأى الخيال الشعبي في هذه الحكايات أن المسلمين متفوقون على الفرنج الصليبيين في هذه الأبعاد الثلاثة وساقت الحكايات الثلاث في لياليها المائتين الكثير من الأحداث والتفاصيل كي تؤكد على هذا التفوق . بيد أن أهم ما تعبر عنه حكايات « ألف ليلة وليلة » تلك العداوة والكراهية اللتين وجدتا متنفسًا في الصفات التي خلعتها على شخوصها من الفرنج الأعداء وإمعانها في النيل منهم ، سواء في صفاتهم الجسمانية وملامحهم الجسدية ، أو لجهة خصالهم وصفاتهم الأخلاقية : فهم قبيحو الخلقة ، أشرار مخادعون . ومن ناحية أخرى تجلّت هذه العداوة والكراهية في السخرية من مقدسات الإفرنج وزعمائهم الكنسيين الذين اتهموا بالكفر وتحريف الإنجيل والكذب على المسيح . غير أن الجدير بالملاحظة هو الخيال الشعبي النقدي لم يقترب من السيد المسيح أو مريم العذراء ، ولم يقدم على إنكار المسيحية الحقة . فقد انصب العداء على الفرنج الصليبيين ولم يصل إلى الدين نفسه ، مثلما فعل الكاثوليك في أوروبا في موقفهم تجاه الإسلام . ونجد في في حكايات « ألف ليلة وليلة » نجد اتهامات للفرنج بالكفر وتحريف الإنجيل . ومن المثير أن هذه التهم تتوافق مع الأوصاف التي ألصقتها المصادر التاريخية فعلًا بالفرنج ، إذْ تعاملت المصادر العربية والمأثورات الشعبية العربية مع الشخصية الصليبية باعتبارها شخصية كافرة . وكان هذا انعكاساً طبيعياً للعداء بين الجانبين . فقد كانت الحروب الصليبية حربًا كأية حرب أخرى على الرغم من تسربلها بثوب الدين ، ومن هنا خلقت مشاعر العداوة والكراهية ضد « الآخر » الذي تدور الحروب ضده . وكان الاتهام بالكفر سلاحًا متبادلًا في دعاوة كل من الطرفين ضد الآخر . لقد تغيرت العلاقات بين « العالم المسلم » و « عالم المسيحية » تغيرًا سلبيًا مفاجئًا مع قدوم الحملة الصليبية الأولى إلى المنطقة العربية ، ثم بعد نجاح الفرنج الصليبيين في إقامة مملكة بيت المقدس والإمارات الصليبية الثلاث الأخرى في الرها ، وأنطاكية ، وطرابلس . إذْ كانت موجة العداء المتصاعدة بشكل هستيري قد ولدت في الغرب الأوروبي الكاثوليكي في غمار الدعاوة التمهيدية للحملة الصليبية ،