نخبة من الأكاديميين
100
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
واستمرت الموجة في تصاعدها لتغمر مشاعر الأوروبيين . ولكن التغير السلبي لم يحدث بهذا الشكل العنيف على الجانب العربي الإسلامي إلا بعد أن اكتشف المسلمون أن الفرنج قد جاءوا إلى المنطقة بقصد الاستيطان والبقاء ، ولم يكونوا قومًا من المرتزقة الذين اعتادوا أن يروهم في خدمة الروم ( البيزنطيين ) . عندها طغت مشاعر العداء ضد الفرنج الصليبيين ، لابوصفهم مسيحيين وإنما لأنهم معتدون . ويرى سوذرن Southern أن الحملة الصليبية الأولى لم تجلب المعرفة إلى أوروبا الغربية عن الإسلام والمسلمين ، وإنما تسببت في العكس تمامًا ؛ فقد أدى نجاح الحملة الصليبية الأولى إلى سيادة مشاعر الزهو بالانتصار والاحتقار من جانب الفرنج الصليبيين تجاه المسلمين . وأدى نجاح الحملة إلى تكريس صورة سلبية للإسلام ولنبي الإسلام في أثناء السنوات الأربعين الأولى من القرن الثاني عشر كانت نتاجًا لحكايات المحاربين الصليبيين العائدين إلى أوروبا ، والمبالغات الخيالية التي حملتها « أغاني الحروب الصليبية » . وقد أخذ الأوروبيون هذه الأساطير والخيال الشرير على أنها الحقيقة . ما كان أبناء الغرب الكاثوليكي يعرفونه آنذاك عن حياة نبي الإسلام ليس إلَّا عبارة عن شذرات متناثرة نقلها الكتاب الغربيون عن الكتاب البيزنطيين . على الجانب المسلم ، كانت الصورة التي رسمها الخيال الشعبي عن « الآخر » تحمل قدرًا كبيراً من التخيل العدواني ، وكذلك كان الحال على الجانب الأوروبي . بيد أن أن الرغبة في المعرفة حفزت كلًا من الطرفين على البحث عن الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه المعرفة . وكانت الفرصة متاحة لأبناء المنطقة العربية من خلال الكيان الصليبي الذي تعرف عليه المسلمون بطريقة مباشرة على النحو الذي كشفت عنه مذكرات أسامة بن منقذ في « كتاب الاعتبار » ، أو ملاحظات الرحالة ابن جبير ، أو خبرات الاحتكاك اليومي في الأسواق والموانئ بين التجار المسلمين وأهالي المناطق التي احتلها الفرنج الصليبيون من ناحية ، وبين المستوطنين الصليبيين من ناحية أخرى . ولم يكن هناك سبب يدعو العرب والمسلمين عامة إلى تخطي الصليبيين الذين كانوا في جوارهم مباشرة إلى محاولة التعرف على الأوروبيين في أوروبا . أما بالنسبة إلى مسلمي الأندلس والمغرب فقد كانت علاقاتهم بالغرب الأوروبي قد وفرت لهم القدر اللازم من المعرفة بأوروبا . وربما كان الإحساس بالتفوق لدى المسلمين في الأندلس حاجزًا حال بينهم وبين الرغبة في معرفة ذلك الجار « المتخلف » في الغرب الأوروبي . كانت هناك بالتأكيد صورة عدائية بين الجانبين ، لكن الصورة كانت تشبه نقيض الصورة في الشرق . فقد كان مسلمو الأندلس على حافة العالم المسيحي الغربي ، تكاد تحاصرهم القوى المسيحية منذ القرن الثاني عشر ، في حين كان الفرنج في المنطقة الإسلامية محصورين في بحر من السكان العرب المسلمين .