نخبة من الأكاديميين

882

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

بديهية عادية في نظر الطوسي الذي ندين له بشروحاته على " الإشارات والتنبيهات " ، فإنه كذلك أيضاً بالنسبة لليبنتز الذي كان يعرف جيداً فلسفته المدرسية المتأخرة . لم يكن ليبنتز يعرف ، شأنه شأن كل فيلسوف في عصره ، الخطوط العريضة للعقيدة السينوية حول العلية وحسب . بل الأكثر أهمية من ذلك ، هو أننا نمتلك الدليل النصي على أنه كان يعرف جيداً ، ومنذ الفترة التي كتب فيها ال - " dissertatio de ( arte combinatoria 1668 ) ، المؤلفين اللاتين الذين استوحوا من النصوص التي يربط فيها ابن سينا ، في معرض تصديه للحتمية المطلقة ، بين الحدوث واتصال الأبعاد . وبذلك يكون ليبنتز قد نشأ في عالم كانت تتم فيه المعارضة ، تأثراً بابن سينا ، بين العناصر المختلفة التي تتكون منها مجموعة معينة والتي تحكم الكثرات المنفصلة ، وبين مجال الأبعاد المتصلة الأشد غموضاً وانغلاقاً . وفي ما يتعدى نصوص ابن سينا وابن رشد والغزالي التي كانت متوفرة والتي قدمت فيها شروحات غزيرة منذ القرون الوسطى ، عرف الغرب أيضاً مدخلًا إلى الأونطولوجيا النمطية الإسلامية من خلال " دليل الحائرين " لأبن ميمون . وهذا الكتاب يذكره توما الأكويني في ترجمة قديمة . وقد عاد إلى دائرة الاهتمام بعد أن ترجم مجدداً إلى اللاتينية إنطلاقاً من الترجمة العبرية للنص العربي من قبل يوحنس بوكستورف في عام 1629 . وقد كتب ليبنتز ملخصاً للأطروحات الأساسية في الدليل ، وخصوصاً للفصول التي يلخص فيها ابن ميمون ، على طريقته ، الأطروحات الأونطولوجية الكبرى عند المتكلمين ليعارض بها أنطولوجيا الأرسطيين . وعن هذا الطريق ، تعرف الكتاب الأوروبيون المسيحيون إلى التعارض الأساسي ، داخل الفلسفة الإسلامية ، بين النظم القائلة بالإرادة ، كصفة إلهية متمايزة عن القدرة وعن العلم ، وبين النظم التي ترفض الدلالة على الله بأنه " مريد " فعلًا . وإلى الفئة الأولى ينتمي المتكلمون ، بينما ينتمي إلى الفئة الثانية الفلاسفة الذين يقولون بالفيض . وبقوته المعهودة ، رأى فخر الدين الرازي جيداً أن في ذلك تعارضاً جذرياً . فهذا التعارض يلخص بالفعل اتجاهين في الكوزمولوجيا النمطية . فإذا كانت الإرادة الإلهية موجودة بكامل وجودها ومتمايزة عن القدرة والعلم ، فإن أوجه الانتظام في العالم لا تكون لها غير قيمة نسبية . إذ حتى مع كونه منتظماً ، فإن العالم يظل معجزة دائمة يعيدها الله بانتظام . وذلك هو معنى القول بالمصادفة . أما إذا لم تكن الإرادة الإلهية غير اسم للقدرة وللعلم اللذين يتمثلان من خلال الفيض ، يصبح لزاماً عندها أن يتم التخلي عن صحة مقولة المعجزة والقول بأن القوانين هي قوانين تسري حتى على الله . وهذا التعارض هو الذي سينشأ ، مع تعارضات أخرى ، بين سبينوزا وديكارت .