نخبة من الأكاديميين

877

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

سينا في بداية " المدخل " . فابن سينا يقف بلا هوادة في وجه الأفكار الأفلاطونية التي يقول بأن أرسطو قد بين ، بشكل تام ، استحالتها . لذا لا يمكنه أن يقبل ببساطة ، شأن ابن عدي ، " موجودات إلهية " تفهم على هذا الوجه . لكنه يقبل ، بالمقابل ، تقسيم الموجودات إلى طبقتين كبيرتين ، هما طبقة الموجودات خارج النفس ، وطبقة الموجودات في النفس ، واللتين تقابلان الكائنات الطبيعية والكائنات المنطقية التي يتحدث عنها ابن عدي . وعلى ذلك ، فإن الغاية المراد بلوغها ( العلة الغائية ) من الفعل القصدي ، تكون موجودة أولًا على شكل موجود في النفس ؛ وهذا الموجود في النفس يدفعنا إلى الفعل لكي يصبح تحققه ممكناً ، وهو التحقق الذي نقصد حدوثه طبعاً خارج النفس في المجال الملموس . لقد انطلق ابن سينا من الخطر الأرسطي الذي يمثله الوقوع في الحلقة المفرغة بين العلتين ، الغائية والفاعلة . ولكن ألم يصطدم الآن بالعائق المقابل المتمثل بقسمة العلة الغائية إلى كيانين لا علاقة بينهما ، أحدهما نفسي والآخر طبيعي ؟ ليس ذلك الظن به ، لأن هذه المرحلة تشهد تدخل الأداة الجديدة ، أي الشيء . جرى الحديث عن سلالتين تاريخيتين على أنهما مصدر انبثاق " الشيء " في أونطولوجيا ابن سينا . هاتان السلالتان هما ، من جهة ، الكلام المعتزلي - على ما يقوله جان جوليفيه ( Jean Jolivet ) ويتابعه عليه روبير فيسنوفسكي ( Robert Wisnovsky ) - ، والجبر ، من جهة أخرى ، - على ما يقوله رشدي راشد . وأعتقد أن التفسيرين يلتقيان ، عند مستوى كاف من التحليل ، لأنه من غير المرجح ألا تكون هنالك نقاط التقاء بين السلالتين نفسيهما . فقد شدد رشدي راشد على الثقافة الفقهية واللغوية لعالم الجبر الخوارزمي . والحال أن اللجوء اللاهوتي إلى مصطلح " الشيء " قد ظهر ، قبل قرن تقريباً ، على ظهور الخوارزمي ، في عبارة محيرة استشهد بها الخليل بن أحمد . وبمعنى معاكس ، فإنه من المحتمل جداً أن يكون بعض المتكلمين المتأخرين عن الخوارزمي قد عرفوا علم الجبر ، وأدركوا ما ينطوي عليه من إمكانات أونطولوجية كامنة . والمقصود بذلك هو انتقال مركز الثقل ، في تعريف العلم ، من الوقائع المنظور إليها إلى الطرق المستخدمة في معالجتها . فالعلم يعرف أساساً ، في التقليد اليوناني ، بموضوعاته . وعلم الحساب هو العلم الذي يبحث في الأعداد ، والهندسة هي العلم الذي يبحث في الأبعاد . والفرق " الأونطولوجي " بين العدد والبعد يكفي لتبرير اللجوء إلى علمين رياضيين متمايزين . لكن هذا النسق النموذجي يتغير مع دخول الجبر على الخط . فالواقع أن الخوارزمي يضع طرقاً قابلة للتطبيق ، بلا تمييز ، على كل من الأعداد والأبعاد التي يجمعها ، في عرضه للطرق ، تحت اسم واحد هو " الشيء " . ويظهر الأثر الأكثر وضوحاً لهذا النموذج عند أبي هاشم الجبَّائي الذي يمكن القول أنه أحد أكبر المشتغلين بالماورائيات في جميع العصور . وإذا كان علينا أن نلخص ما فعله أبو هاشم نجد أنه سعى إلى وضع طرق يمكنها وحدها أن تعالج مسألة الصفات البشرية ومسألة الصفات الإلهية على حد سواء . ومن جهة أخرى ، كان أبو هاشم يعلم أن التطابق ( univocite ) المطلق مستحيل ، أي أننا لا نعرف شيئاً عن الماهية الإلهية بما هي كذلك . ففي حين أن الدراسة المباشرة للماهية البشرية ، بما هي تجمع للذرات ، يمكنها أن تسمح لنا أن ندرك مباشرة بعض الصفات الإلهية الأساسية ( القدرة ، العلم ، الحياة ) ، يكون علينا ، في حالة الله ، أن نكتفي باللجوء إلى بعض الطرق التراجعية [ التي تنطلق من الآثار إلى العلل ]