نخبة من الأكاديميين
878
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
دون أن تخبرنا بشيء عن الماهية بما هي كذلك . فأنا أعلم ، هنا في هذا العالم ، أن علي أن أصعد تحليلياً من الفعل المحكم إلى القدرة وإلى الحياة . وأعلم أيضاً ، عن طريق علم الأحياء ( البيولوجيا ) أن موضوع الفعل المحكم ، أي الإنسان ، هو تجمع للذرات وأن ذرة من ذرات القلب تحمل المعرفة . ولكن هذين المستويين من المعرفة لا علاقة بينهما . ففي حين أننا ، في الحالة الأولى ، إزاء حقيقة تحليلية ، فإننا ، في الحالة الثانية ، إزاء واقعة محدثة بشكل جذري ، أي متوقفة على البنية التي شاء الله أن يعطيها للإنسان . وعلى ذلك ، ينبغي التمييز في البنية البشرية بين الصفات ذاتها التي تقبل التفسير في الإطار المادي للذرية ، وبين واقع أن كائناً ما " س " ، أي الإنسان ، يمتلك تلك الصفات . من هنا ، فإنه أمر محدث أن يكون الإنسان مزوداً بالقدرة على الفعل المحكم ، أو أن يكون حياً أو قادراً . كما يمكننا أيضاً أن نكون حيوانات غير عاقلة أو تماثيل من حجارة . غير أنه من الضروري تحليلياً ، إذا ما كنا مزودين بقدرة على الفعل المحكم ، أن نكون قادرين وأحياء . ويعبر أبو هاشم عن هذا التمييز عبر تمييزه الدقيق بين الصفة " أ " ( القدرة ، العلم ، الحياة ) عند الشخص " س " ، وبين واقع كون الشخص " س " قادراً وعالماً وحياً . وفي هذا على وجه التحديد تكمن ، برأينا ، عقيدة الأحوال عند أبي هاشم ، وهي العقيدة التي تحدثوا عن صعوبتها منذ البداية . إذ يمكنني الحديث عن واقع كون الله قادراً دون أن أجازف مطلقاً بالحديث عن بنية الله ككائن ( البنية الكيانية ) ، ودون أن أطلق مسلمة مفادها ملازمة عرض واقعي هو القدرة للماهية الإلهية ، الأمر الذي يلزمني بالقول بصوابية التعددية الأشعرية ( النسبية جداً ) والقائلة أن الصفات الإلهية يجب أن تفهم كوقائع كيانية متمايزة عن الماهية الإلهية . وبذلك ، فإن أبا هاشم يستبق بعدة عقود شعار عالم الجبر ، الخراجي ، القائل ب - ( تطبيق " حساب المعلومات على حساب المجهولات " - انظر رشدي راشد ) ويلخص طريقته بهذه العبارة العميقة : " الطرق لا تختلف شاهداً وغائباً " ( بمعنى الشهود للطبيعة والغياب للاهوت ) . وعلى خطى أبي هاشم ، فهم ابن سينا أهمية النموذج الجبري لتصوره الجديد في الأونطولوجيا المرتكز إلى تقسيم ، ما كان ليحمل أي معنى عند أرسطو ، بين " موجودات في النفس " و " موجودات خارج النفس " . فبدلًا من أن تظل مقولة أونطولوجية جامدة ، تأخذ الموجودات التي يتحدث عنها ابن عدي الموقع الإجرائي للكيانات الجبرية . وبذلك نكف عن أن نكون إزاء موجودات خارج المقولتين الأخريين ، ولكن إزاء ما يسمح بالنظر إلى المقولتين الأخريين من حيث هما متماثلتين الواحدة مع الأخرى . ولنعد هنا إلى المثال الذي قدمناه آنفاً . أقصد تحقيق حدث طبيعي معين " أ " ، وأقوم بالعمل الطبيعي " ب " من أجل تحقيقه . " أ " هو العلة الغائية و " ب " هي العلة الفاعلة . الحدث الطبيعي " أ " بما هو مقصود في نفسي ، أي بما هو شيء ، على ما يقوله ابن سينا بشكل مكشوف ، هو سابق على " ب " . ولكن " أ " ، بما هو حدث طبيعي يحدث خارج نفسي ، هو لاحق ل - " ب " . ولا ينبغي الاعتقاد هنا ، على الرغم من العبارة ، بأن " الشيء " يعني الموجود في النفس حصرياً وبصورة خاصة . فهو يدل بالأحرى على ذلك " الموجود " الذي يظل موجوداً بصورة مطابقة لذاتها ، سواء كان في النفس أو خارج النفس . لنعد إلى الصورة الأونطولوجية عن الصدور والمعاد . الله هو علة فاعلة بما يصدر عنه وجود الإنسان ،