نخبة من الأكاديميين

876

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

له . فمسألة العلية تطرح ، بشكلها الأكثر تقنية ( والأكثر تاريخية ) داخل نقاش قديم في التقليد الأرسطي ، سواء في الأرسطية القويمة - الأرثوذوكسية - ( أرسطو ، آلكسندر الأفروديزي ) أم في الأرسطية الأفلاطنية المحدثة في مدرسة أثينا - الإسكندرية ( بروقلوس ، آمونيوس ، يوحنا النحوي ، سيمبليسيوس ) . والمشكلة تأخذ الشكل التالي : المحرك الأول هو ، وفقاً للأرسطية القويمة ، علة نهائية تحرك بما هي " مرغوب فيها " ؛ لكن سلسلة من الأسباب العقيدية والتاريخية جعلت التقليد الأرسطي يتجة نحو اعتبارها علة فاعلة . فهم السبب في ذلك بسيط جداً : منذ اللحظة التي كانوا يقومون فيها بمماهاة المحرك الأول بالله ، كان يبدو لهم من الضروري إعطاءه قدرة حقيقية في التأثير على العالم . وعلى غرار بعض سابقيه من الأفلاطونيين المحدثين ، يدخل ابن سينا هذا التردد في تصور مزدوج قوامه الصدور انطلاقاً من المبدأ الأول ، والمعاد . ويتصل الصدور بالعلية الفاعلة الخاصة بالمبدأ الأول ، أي بصفته كائناً يفيض على ذاته ، وهي الصفة التي يحدث بموجبها سائر الكائنات . أما المعاد فيتصل بميل الأدنى إلى التشبه بما هو أعلى منه اي ، بالتالي ، إلى تحقيق ماهيته بالشكل الأكثر كمالًا . والحال الأكثر وضوحاً والأكثر أهمية في الوقت ذاته ، في إطار الأخروية ( الإسكاتولوجيا ) السينوية ، هي بالطبع حال الإنسان . والإنسان ، تبعاً لتعريفه الموروث عن الشروحات اليونانية لأرسطو ، هو عاقل بشكل أساسي . أما صورته كحيوان عاقل ، فتنشأ على مستوى الصدور ، عن فاعلية المبادئ الأعلى التي ترتقي صعوداً إلى الأول ؛ وبالمقابل ، يكون الإنسان أكمل ما يكون كإنسان لجهة كونه عاقلًا إلى الحد الأقصى الممكن ، أي من خلال سعيه إلى التشبه ، إلى الحد الأقصى ، بالعقل الإلهي . لكن لا ينبغي الظن ، مع ذلك ، بأن ابن سينا قد تخلى عن القول بأسبقية العلة النهائية . وهو يعبر عن ذلك بعبارة ملفته : العلة النهائية هي العلة الفاعلة لعلية العلة الفعلية . لنفرض أن العمل " ب " ضروري من أجل التوصل إلى النتيجة " أ " . " ب " هي العلة الفاعلة ل - " أ " . ولكن " ب " يجب أن تكون معلولة لشكل من مثول " أ " في نفس من يقوم بالعمل " ب " . وعليه فإن " أ " هي العلة الغائية ل - " ب " . وهنا يمثل خطر الوقوع في الحلقة المفرغة ، وهو الخطر الذي لم يتمكن أرسطو مطلقاً من تلافيه : فالعلة الفاعلة تصبح فعلًا علة العلة الغائية ، والعكس بالعكس ، بحيث تصبح كل علة علة لذاتها ، وهذا محال . لكن ابن سينا يتجنب التعرض لهذا المأخذ عبر اللجوء إلى سلسلة من التمييزات التي لا تعتبر جديدة كلها ، إلا أنه أول من وضعها فعلًا في إطار منظم . إن الأمر الجديد الأساسي الذي جاء به ابن سينا هو أنه جعل التصنيف الثلاثي للكائنات المفردة ( etants ) ، الذي قدمه ابن عدي ، أكثر مرونة ، وذلك على ضوء التمييز بين الشيء وال - " موجود " المستخدم في علم الكلام . فابن عدي يميز ، كما رأينا ، بين الكائنات الإلهية ( المدلولات الواقعية للتعريفات الخالصة ، بلا إضافة ) ، وبين الكائنات الطبيعية ( التحقق المادي للكائنات الإلهية ) ، وبين الكائنات المنطقية ( التحقق المفهومي للكائنات الإلهية ) . وهو بذلك يذهب إلى المدى الأقصى بالتوجه الأفلاطوني المحدث البورفيروسي نحو التوفيق بين النظامين الأفلاطوني والأرسطي . إذ حتى لو لم تكن عقيدتهما واحدة تماماً ، فإننا نقر بأثر الأطروحة القديمة حول الأحوال الثلاثة للكلي والتي انتقدها ابن