نخبة من الأكاديميين

875

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

للنص المقدس ( الأناجيل ، بوجه خاص ) وإلى أشكال هذا التفسير . فكل شيء يجري كما ولو أن الأدبيات الامتداحية المركزة على مسائل التثليث وطبيعة المسيح قد استوعبت كل ما كان ينتمي ، عند الفلاسفة المسلمين ، إلى عقلانية مبسطة وتصويرية مخصصة لاستخدامات العامة . الكوزمولوجيا النمطية عند ابن سينا يقف ابن سينا عند نقطة التقاء جميع التقاليد الفلسفية السابقة عليه . فإذا ما بدأنا بالتقليد اليوناني ، فإننا نجد عنده سمات مشائية حقيقية يمكن إرجاعها إلى أرسطو نفسه وإلى شارحه الكسندر الأفروديزي ، إضافة إلى سمات أخرى أفلاطونية محدثة موروثة عن مدرسة بروقلوس وآمونيوس . وفي الدائرة العربية نفسها ، لا يمكن فهم ابن سينا دون أن نأخذ بعين الاعتبار كلًا من الكندي والفارابي وعلم الكلام ومسيحيي بغداد . إلا أنه من المناسب هنا أن ندخل تمايزين هامين : الأول هو أن ابن سينا لم يقلد أحداً بصورة عمياء . والثاني هو أن مختلف العناصر تتداخل عنده في تركيب قوي وبقوة كافية على أي حال لأن تفرض نفسها خلال عدة قرون ، إن في أرض الإسلام وإن في الغرب المسيحي . وقد واجه ابن سينا البغداديين بأن أعاد الارتباط بنظام في الفيض مرتكز إلى الواحد . وبما أن العقيدة الدينية التي يتوجب الدفاع عنها لم تعد عقيدة التثليث بل عقيدة التوحيد ، فإنه يكفي في هذه الحالة أن تستخرج هذه الأطروحة من الرسالة القرآنية وأن تلجأ إلى تأويل كل ما يتبقى تقريباً ، وهو ثقافي وعبادي بشكل أساسي ، بما هو جملة من القواعد الموجهة إلى العامة والتي ينتمي تأويلها إلى القسم الخطابي من الأورغانون . ويجد هذا التأويل تعبيراً قوياً عن نفسه في " الرسالة العدوية في المعاد " : " أما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد ، وهو أن الشرع والملة الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها مخاطبة الجمهور كافة " . وهنا تحسن الإشارة إلى وجود فارق هام بين مجموعة النصوص الأرسطية وبين مؤلف أرسطو ، " الشفاء " . وإذا كان تبويب مباحث الشفاء قد تم ، في الأساس ، وفقاً للنمط الكلاسيكي لمجموعة النصوص الأرسطية ، فإننا نلاحظ اختفاء وظهور أمرين أساسيين : اختفاء مجموعة النصوص الأخلاقية الأرسطية ، وظهور العلوم الرياضية ( الحساب والهندسة ، بشكل أساسي ) وعلم الفلك . وهذان التغييران متصلان بشكل وثيق . إذ عندما يفسر ابن سينا مجمل الواقع على أنه فيض ينطلق من المبدأ الأول ليصل إلى المادة ، فإنه ينظر إلى كل كيان على أنه يتحدد كلياً بالكيانات التي تعلوه في نظام الفيض . ليس هنالك مكان إذن لدراسة سلوكيات الأفراد . وإذا كان لا بد من إدخال الرياضيات ، فلا يعود ذلك إلى كونها ضرورية من أجل تهيئة النفس للولوج في الماورائيات وحسب ، بل خصوصاً لأنها تسهم في وصف الواقع لجهة انتمائه إلى الكم . تكمن المشكلة الرئيسية التي يواجهها ابن سينا في تصوره للكوزمولوجيا الماورائية ( أو الكوزمولوجيا النمطية ) في إعطاء صفة التوحيد المطلق للمبدأ الأول ، وصفة التعدد لما دونه ولما هو علة