نخبة من الأكاديميين

871

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

القبول بشيء منها غير الحقائق العلمية الخالصة ، أي بوقائع خيالية أو بتنازلات أمام التصورات البشرية العادية . ولهذا لم يلبث الفارابي أن دخل في صراع صعب مع الكندي بوصفه الممثل الأكثر خطورة لانصهار اللاهوت والفلسفة ، وبالتالي لغياب الضبط الإبستمي للمقدمات الفلسفية . وعلى ذلك ، يمكننا أن نفترض ، قبل كل شيء ، أن مقدمة الرسالة الموجزة حول أهداف الفيلسوف في الكتاب الذي يحمل عنوان " الماورائيات " ، هي موجهة ضد الكندي : " قال : قصدنا في هذه المقالة هو أن ندل على الغرض الذي يشتمل عليه كتاب أرسطوطاليس المعروف بما بعد الطبيعة وبالأقسام الأولى التي هي له ؛ إذ كثير من الناس سبق إلى وهمهم أن فحوى هذا الكتاب ومضمونه هو القول في الباري سبحانه وتعالى والعقل والنفس وسائر ما يناسبها ، وأن علم ما بعد الطبيعة وعلم التوحيد واحد بعينه . فلذلك نجد أكثر الناظرين فيه يتحير ويضل ، إذ نجد أكثر الكلام فيه خالياً عن هذا الغرض ، بل لا نجد فيه كلاماً خاصا بهذا الغرض إلا الذي في المقالة الحادية عشرة منه التي عليها علامة اللام " . بعضهم ، على ما يقوله الفارابي ، فسروا علم ما وراء الطبيعة عند أرسطو كما لو أنه كان مجرد لاهوت . ذلك خطأ يحجب الاهتمام الذي تم إيلاؤه لمسألة البحث في الوجود بما هو وجود ، أي في الجوهر ، أي في الصورة . فالفارابي يرى أن علم الوجود بما هو وجود يتمتع بحد من الاستقلالية . لا بمعنى أن بإمكاننا أن نستغني عن المبدأ الأول الذي يصبح هو الله ، بل لأن العلاقة بين هذا المبدأ الأول ( الله ) والعالم هي ، بمعنى ما ، طبيعية . فالعالم ليس نتيجة خيار إلهي ، حتى ولو كان مستنداً إلى حساب ما ، بل إنه ينجم طبيعياً وهنا تراودنا فكرة القول : آلياً - عن هذا المبدأ الأول بما هو علته الفاعلة . ولكي نفهم جعل الماورائيات التي يقصدها الفارابي مستقلة ، علينا أن نفهم كيفية ربطه بين الطبيعة وبين ما وراء الطبيعة . فالطبيعة تقودنا إلى فكرة عن الطبيعة لا تجد تبريراً إلا إذا استخدمنا الدليل القائل أن أشكال الانتظام في العالم ليست مجرد عادات في العمل الإلهي . إذ إن العنصر المركزي في عملية البرهنة هذه إنما يكمن في العودة إلى فحص أطروحة الخلق الجذري بالشكل الذي صاغها فيه الكندي . فلو كان الخلق دفعة واحدة ممكناً ، للزمنا عندها الإقرار بأن وجود العالم يمكنه أن ينجم عن خيار إلهي . وبذلك ، لا يكون العالم ، حتى وإن كان منتظماً إلى حد الكمال ، غير محصلة لخيار ما هو نفسه عائد لفعل إرادي . تلك هي أطروحة اللاهوتيين . ولقد قال الفارابي رأيه بخصوص هذه المسائل في رسالة مفقودة للأسف ، وهي تحمل عنوان " في الموجودات المتغيرة " . وقد علمنا ، بفضل بعض الاستشهادات الواردة عند بعض المؤلفين الأندلسيين ( ابن رشد ، ابن باجة ، ابن ميمون ) ، أن الفارابي كان مهتماً بمسألة الاتصال ( continuite ) إلى حد بعيد . فابن رشد يأخذ على الفارابي وقوعه ، في تلك الرسالة ، في الخطأ ذاته الذي وقع فيه كتابه حول " المقولات " ، عندما كان منصرفاً إلى العمل على ثنائية العمل - الهوى : ذلك الخطأ هو الإصرار المفرط على اتصال