نخبة من الأكاديميين

872

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

هذه الظواهر ، كما لو أنه عنصر ملازم لتعريفها . وإذا كنا قد فقدنا نصه " في الموجودات المتغيرة " ، فإن نصه حول " المقولات " لا يزال في أيدينا . ومن هنا يمكن أن نتحقق من صحة قراءته من قبل ابن رشد : الفارابي يشدد كثيراً ، خلافاً لأرسطو الذي لا يقول كلمة واحدة حول هذه النقطة ، يشدد على الاتصال الضروري في كل عمل ، وكل هوى ، وكل تغير وكل حركة . وباختصار ، فإن جميع الحركات التي يذكرها أرسطو في " المقولات " هي سيرورات متصلة بالضرورة . وبالطبع ، فإن الفارابي لا يقول كلمة واحدة حول " الإبداع " الذي أضافه الكندي إلى القائمة . هذه المجموعة من الوقائع تسمح بفهم موقف الفارابي : اتصال الحركة هو ضرورة من صلب ظاهرة الحركة بما هي حركة . بكلام آخر ، هو ضرورة تفرض نفسها على كل شيء بما في ذلك الله . فإذا كان فعل الخلق الإلهي عملًا - وهو كذلك فعلًا - فإن هذا الخلق متصل إذن بالضرورة ، ولا يتم دفعة واحدة ، على ما يريده الكندي ويقره اللاهوتيون . وإذا كان الاتصال في كل حركة ، وكل عمل - بما في ذلك عمل الله - ، يلزم عندها الإقرار بأن الخلق الإلهي متصل أيضاً . أما إذا قبلنا القول القائل بأن الخلق الإلهي إنما يتم خلال فترة متناهية من الزمان ، فإن صعوبات ستنشأ عن ذلك . لماذا يستلزم ذلك فترة ما وليس نصفها أو ربعها ؟ وهلم جرا . . . إن قدرة الله تجعل من تثبيت عتبة [ للخلق ] أمراً تعسفياً ، وبالتالي غير مرضِ . ينبغي أن نعي أهمية مبدأ اللاتعسف في النظر الفلسفي في موضوع العمل الإلهي . ولكي نفهم ، بشكل أفضل ، المفاصل الجديدة للعلم ، فإن مثالي ليبنتز والفارابي فصيحان جداً . ما يقوله ليبنتز يندرج في سياق تفكير المتكلمين حول موضوع الذرية . فهو يتصدى لمشكلة الحركة في كتابه " Pacidius Philalehi " الذي كتبه باللاتينية . وبعد أن يتخلى عن أطروحة أرسطو في القوة والفعل ، يجد نفسه أمام موقفين متماثلين مع موقفي أبي الهذيل والنظَام : الأول نهاءوي بشكل صارم يفكك الحركة بين نقطتين إلى عدد متناه من الوحدات المنقطعة ( discretes ) ؛ الثاني لانهاءوي في ما يتعلق بالمكان ويفرض وجود طفرات في الحركة ليفسر بذلك حصول انتقال في وقت متناه . ويبدأ ليبنتز باستكشاف الحل الأول ، ولكنه يخلص إلى نتيجة مفادها استحالته بسبب الاتصال الضروري للأبعاد . فالموقف النهاءوي يصطدم مواجهة بشكل مفرط بضرورة تقسيم كل بعد ، إلى ما لا نهائية ، إذا ما شئنا القبول به . لا يبقى إذن غير الحل القائل بال - " طفرة " والذي يعتمده ليبنتز تحت اسم مشبع بالإيحاء هو " إعادة الخلق " ( transcreation ) : أي أن الله يزيل المتحرك ويعيد خلقه في أماكن مختلفة في مساره . وقد كان من شأن هذا الحل أن يكون الأكثر مقبولية بين جميع العقائد القديمة حول الحركة . ولكنه يشكو من آفة لا مجال لاستصلاحها ، ألا وهي تعسفية العتبات . ذلك أن الله يزيل المتحرك ، وفق هذه العقيدة ، ويعيد خلقه على مسافة قصيرة جداً ، وقصرها كاف ليحول بيننا وبين عدم إدراك ما يحصل . غير أن ليبنتز ينبهنا إلا أن ذلك هو كذلك كما لو أن الله أراد أن يخفي عيباً في نظام العالم بجعله غير محسوس من قبلنا . ولكن ذلك غير لائق بالله ، وبالتالي ، فإن تعسفية الحل تكفي لتنحيته . والمبدأ نفسه حاضر عند الفارابي وللمرة الأولى ، دون شك ، في تاريخ الفلسفة . فإذا كان لا يسع الله