نخبة من الأكاديميين

870

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

وذلك هو السبب الذي جعل الفارابي يولي كل هذه الأهمية للمصطلحات وللمنطق الذي اعتبره دراسة الأشكال الصحيحة في الإستدلال . أما الإجابة على السؤال الثاني ، فإنها تنتمي إلى منطق أوسع يشتمل على دراسة العبارة بوجه عام ، أي على جميع أنواع الحجج والمجازات ( tropes ) . وعلى ذلك يكون الفارابي قد اهتم ، بوصفه منطقياً ومنظراً في التعليلات بوجه عام ، بكتابات أرسطو وحتى بالكتابات التي تتسع لتغطي مجالي الخطابة والشعر . وقد ظهر هذا الرهان بوضوح أمام التقليد اللاحق الذي رأى في الفارابي مبدع نظرية " الفنون الخمسة " القائلة أن كل واحد من مباحث الحجج النموذجية ، والحجج التحليلية ، والرد على السوفسطائيين ، والخطابة والشعر ، يتصل بنوع محدد من المقدمات والاستدلالات ، أي بنوع من محدد من الحقيقة . إن لتصنيف المقدمات هذا وظيفة مزدوجة : أولًا ، إن حججاً تنتمي إلى مجالات مختلفة ( كالماورائيات والسياسة مثلًا ) تصاغ بأساليب مختلفة ، ما يفضي إلى تفكير متزايد في الدقة البرهانية . ولهذا أدخل التمييز بين ما يشكل موضوعاً للبرهنة ، وبين ما لا يمكنه ، بطبيعته ، أن يكون موضوعاً إلا لحجج احتمالية . وفوق ذلك ، يمكن للموضوع نفسه أن يعالج بطرق مختلفة ، وعلى مستويات مختلفة من الصحة . وعلى ذلك ، فإن حقيقة واحدة ، لاهوتية - ماورائية ، على وجه الخصوص ، يمكنها أن تشكل موضوعاً لأشكال مختلفة من العرض . ومن هنا ، فإن تصنيف المقدمات يسمح إذن أن نفهم أخيراً تحت أي نمط يمكن للغة الفلسفة أن تتعايش مع لغة الوحي . لا بد إذن أن يكون هنالك وعي بالفرق بين هذا المشروع وبين مشروع الكندي : فالكندي يعتبر أن خطاب الوحي وخطاب الفلسفة يقولان الشيء ذاته بشكلين مختلفين . أي أن مضمون الخطاب واحد ، بينما شكله مختلف . وبالمقابل ، يقول الفارابي أن هذين الخطابين لا يقولان الشيء ذاته . أي أنهما غير متماثلين لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون . فأحدهما دقيق وصادق ، والآخر ملتبس وخاطئ جزئياً . وإذا ما تعايشا ، فلأن هدفهما واحد ، حيث أن بإمكان الفلسفة أن تفهم كيف أن المقدمات الخطابية للوحي كانت شكل الخطاب اللاهوتي الوحيد الذي يفهمه الجمهور . وهنا نجد أنفسنا تماماً إزاء ما يمكن أن نسميه اليوم بخطاب التبسيط العلمي . إن مأساة العقل ، في نظر الفارابي ، لا تقع عندما يتمكن الناس العاديون من تصديق هذا الخطاب طالما أنه الخطاب الوحيد الذي يتيسر لهم فهمه - بل عندما لا يتمكن أهل العلم ممن يشتغلون باللاهوت من فهم الفرق بين العلم وصيغته المبسطة . والأسوأ ، عندما يظنون أنهم غادروا مستوى الخطابة نهائياً ووصلوا إلى الحق ، في حين أنهم لم يرتفعوا إلا إلى منتصف الطريق في مجال سوق الحجج الجدلية ، كما هو الشأن ، في نظر الفارابي ، بالنسبة للمتكلمين . وباختصار ، فإن دراسة المنطق الموسع هي وحدها ما يسمح بإعطاء صفة المفاهيم للتعارض بين المقدمات الدقيقة والعلمية بشكل كامل والتي تظهر في " التحليلات " ، بين المقدمات ذات الاستخدام الأكثر ميوعة والتي تنتمي ببساطة ، إما إلى مجال الحجج الجدلية وإما إلى المجال الشعبي . إن هذا الانتباه لموقعية المقدمات هو ذو أهمية حاسمة بالنسبة لباقي الممارسة الفلسفية ، لأن قسماً كبيراً من العمل الفلسفي في مجال الكوزمولوجيا والموارئيات بوجه خاص ، إنما يكمن في التحليل الصحيح للمقدمات الأولى لضمان عدم