نخبة من الأكاديميين
869
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
لنفسي أن أضعه في الخانة نفسها مع الكتاب الذين تكلمت عنهم آنفاً ، فلكي أعارض بوجه خاص الحكم المسبق الذي لا يرى فيه غير شارح محايد لمؤلفات أرسطو . فتاريخ العقائد يفضل التفكير من خلال الشعارات إلى درجة الظن أن القول عن أرسطو أنه المعلم الأول ، والقول عن الفارابي أنه المعلم الثاني ، يعني أن كليهما ينتميان إلى تقليد فلسفي واحد . لكن عدم ملاحظة الإسهام الخاص الذي جاء به الفارابي ، والأسباب التي من أجلها قال أن نظام أرسطو غير مكتمل ، يعني الامتناع عن فهم الطريقة التي فهم من خلالها دوره الخاص كفيلسوف . لنبدأ التأكيد أولًا ، منعاً لأي سوء تفاهم ، أننا نشهد مع الفارابي انعطافاً حقيقياً يتصل بتعميق لاسابق له لمجموعة النصوص الأرسطية . إذ خلافاً للكندي ، قام الفارابي بشرح العديد من مؤلفات أرسطو . كما أن معرفته بالتفاصيل التقنية للتقليد الفلسفي هي أكبر بما لا يقاس من معرفة الكندي بتلك التفاصيل . فالفارابي هو ، بين الفلاسفة الذين كتبوا بالعربية ، أول فيلسوف أحاط بالقدر نفسه من العمق بمجموعة النصوص الأرسطية وبنصوص كبار الشارحين اليونانيين ، ممن تمت ترجمة آثارهم تقريباً في الوقت الذي كان فيه الفارابي بصدد كتابة مؤلفاته . نحن إذن إزاء ظاهرة مزدوجة بوجهين متصلين في العمق : الأولى هي العودة التفسيرية إلى النص الأرسطي ، والثانية هي أزمة نموذج الإله الذي يختار الأصلح . لذا فإن السؤال الأول الذي ينبغي طرحه هو التالي : لماذا قام الفارابي بشرح أرسطو ؟ على ما يبدو لي ، إن الإجابة هي التالية : الفارابي الذي يتعارض مع الكندي حول مسألة خلق العالم هو ، مع ذلك ، وريثه عندما يتعلق الأمر بتفسير دور المنطق . فالواقع أن الفارابي الذي لم يكن متأثراً بالرياضيات بالقدر نفسه كالكندي ، يأخذ عنه فكرة عالمية اللغة الفلسفية التي يقصرها ، أقل مما فعله الكندي ، على خطاب " المقولات " . أما الفرق الكبير بينه وبين الكندي فيكمن في علاقة كل منهما بعلم الكلام ( اللاهوت ) . ففي حين لم يكن الكندي في صراع مع علم الكلام بما هو كذلك ، والذي كان يعتبر أنه الماورائيات بعينها ، فإن كل شيء يتغير مع الفارابي الذي اعتبر أن الكلام يمثل مقاربة أدنى للحقيقة وقاصرة بالمعنى القيمي . والمشكلة لا تعود إلى قدرات من يشتغلون بعلم الكلام بقدر ما تعود إلى بعض الشوائب في هذا العلم نفسه . وعلى ذلك ، فإن قول الكندي أن المنطق الأرسطي يجب أن يستخدم لإقناع كل إنسان بالحقيقة الواحدة ، وبالتالي لدحض عقيدة التثليث ، يصطدم بقول الفارابي الذي يعطي ذلك المنطق مهمة تخليصنا من الأفكار الخاطئة التي جاءت بها جميع الأديان التوحيدية ، ومنها العقيدة الخاصة بالخلق . وهذا يفضي إلى طرح سؤالين على الأقل : الأول هو حول مصدر تلك الأفكار الخاطئة التي تقدم نفسها على أنها حقائق لا تدحض . والثاني هو معرفة السبب في احتواء النصوص الدينية على كل هذه التعاليم المناقضة للعقل الفلسفي . الإجابة على السؤال الأول يجب البحث عنها في اللغة ، على ما يقوله الفارابي . وبهذا المعنى ، نكون إزاء تعديل وتعميق لموقف الكندي . فالفارابي يعزو ، بطريقة " تحليلية " جداً ، بالمعنى الحديث للعبارة ، مجمل الخلافات الكلامية ( اللاهوتية ) إلى استخدام غير منضبط للغة . هنالك ، بنظره أخطاء إن على المستوى المعجمي وإن على مستوى الحجج .