نخبة من الأكاديميين
864
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
العاشر . كما أننا نعرف أن الفلاسفة من قبله ، بمن فيهم العديد من المتكلمين ، عرفوا الستاجيري وأعجبوا به كثيراً في بعض الأحيان ، وشرحوا هذه أوتلك من رسائله ، لكنهم لم يشعروا أبداً بالحاجة لأن يكونوا في عداد تلامذته ، أو لأن يقصروا أنفسهم على شرحه . الشارح الحقيقي الوحيد لأرسطو في التراث العربي هو من المتأخرين ومن خارج المركز . إنه بالطبع العبقري ابن رشد القرطبي . الفارابي نفسه كان يعتبر أن أرسطو لم يقطع غير نصف الطريق في المجال الفلسفي : إذا كان قد اجتاز الطريق التحليلي عبر المعلولات ، فقد أعوزه الفهم الواضح للطريق الهابط وفق نظام العلل . لكن هذا التفسير المقدم من الفارابي اعتبر تقليصياً من قبل ابن رشد الذي لم يكف لحظة واحدة عن الدفاع عن فكرة اكتمال الماورائيات الأرسطية . ويمكننا أن نتبين ، طيلة القرن الذي يمتد بين عام 830 وعام 930 على وجه التقريب ، والذي شكل العصر الذهبي للثقافة العباسية ، قبل تفسخ الإمبراطورية والهيمنة عليها من قبل البويهيين ، يمكننا أن نتبين في تراث العارفين بالإرث اليوناني ، أربع كوزمولوجيات نمطية ، وكلها مضادة ، كلًا على طريقتها ، بشكل صريح لأرسطو ؛ وهي تعود لكل من الكندي وثابت بن قرة وأبي بكر الرازي والفارابي . وبالمقابل لا نجد أي دفاع مشهود له عن الكوزمولوجيا النمطية الأرسطية القويمة ( الأرثوذوكسية ) . فالكندي كان معادياً لأرسطو لأنه رفض لانهائية الزمن ، وثابت بن قرة كان معادياً لأرسطو لأنه رفض أونطولوجيا الجوهر ودافع عن وجود اللامتناهي بالفعل ، والرازي كان معادياً لأرسطو لأنه رفض وحدة المبدأ الأول ، والفارابي كان معادياً لأرسطو لأنه رفض وقف العمل الكوزمولوجي على الأدلة عن طريق المعلولات . وليس من قبيل الصدفة أن يكون كل واحد من هذه النظم الفلسفية قد طرح ، على طريقته الخاصة ، مسألة أصلح العوالم ، ابن سينا . ) الكندي إن أول نظام فلسفي وضع بالعربية وحمل أثراً واضحاً للمعرفة بمجموعة النصوص الفلسفية اليونانية هو ذلك الذي قدمه أبو إسحق الكندي . والكندي هو أيضاً ، بمعنى ما ، أكثر الفلاسفة العرب إسلامية ، لأنه الوحيد الذي أراد فعلًا أن يثبت أن العقيدة الإسلامية هي الأكثر توافقاً مع العقل . وهذا ما يفسر النقد الذي وجهه ، باسم المنطق الأرسطي ، إلى عقيدة التثليث ، وهو النقد الذي تعرض في ما بعد للهجوم من قبل ابن عدي . فما قصده الكندي هو ، في المقام الأول ، تحديد أدوات ومناهج منطقية يمكن على أساسها لكل إنسان ، أياً كانت عقيدته ، أن يتفاهم مع الإنسان الآخر . إن كتابات أرسطو في مجال المنطق ( الأورغانون ) تقدم الأدوات وقسماً من المناهج ، في حين أن القسم الآخر قدمته الرياضيات اليونانية ، أي المجال الذي أثمرت فيه تلك الكتابات . وإذا ما اقتصرنا على المثال الأكثر بروزاً ، نجد أن الطريقة التي يلجأ فيها الكندي إلى استخدام دليل الخلف ( apagogique ) لكي يدلل ، في مجموعة من الرسائل ، على بطلان لانهائية الزمان ، مستوحاة بشكل واضح من الرياضيات ، كما أنها بلا مثيل في التقليد الفلسفي اليوناني . وعليه ، إذا كان الكندي متفقاً مع يوحنا النحوي في استخدام مقولات أرسطو كحكم في الفلسفة ، فإنه يستمد من الرياضيات طرقاً لا