نخبة من الأكاديميين

865

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

نجدها عند [ يوحنا النحوي ] الإسكندري . أما البعد الآخر لعمل الكندي فيكمن في التقريب ، إلى حد المماهاة ، بين العقيدة السماوية في التوحيد الإلهي وبين الحقيقة الفلسفية . ومع ذلك ، لا ينبغي الظن أن تلك الحقيقة هي تعبير نقي عن الأفلاطونية المحدثة ، فالأفلاطونيون المحدثون كان من شأنهم بالتأكيد أن يحكموا على المبدأ الأول الذي تحدث عنه الكندي ، على أنه مرتبط بشكل مفرط بالعالم ، أي أنه مفرط في اللاتعالي . إن ما قام به الكندي من تبسيط لعلاقة الله بالعالم ، وإلغاء للأواليات الثلاثية المعقدة والمتناقضة في العمق والتي تميز الماورائيات الأفلاطونية المحدثة ، هو ما شكل فعل ولادة الماورائيات الحديثة . يشترك الكندي ، في العديد من العقائد ، مع المتكلمين وينفصل عنهم ، قبل كل شيء ، بمنهجيته ، خصوصاً بالأهمية التي يوليها للنموذج الرياضي في البرهنة . والمفارقة هي أن الكندي يستخدم هذا الأسلوب ، قبل كل شيء ، ليواجه الأطروحة الأرسطية المتعلقة بقدم العالم ، إذا ما صح وجود هذه الأطروحة . فهو يعود أكثر من مرة إلى البرهنة على أن العالم هو ، بالضرورة ، متناه في الزمان ، وذلك بالعمل على إطلاق براهينه من بعض المقدمات المحدودة عددياً ، ودون أن يستعير شيئاً خارجاً عنها من أية مرحلة من مراحل عملية التفكير . وهذا الحرص على الصرامة والدقة ملحوظ عند الكندي ، فهو يقوده ، على مستوى المضمون ، إلى رفض الاستثناء المتمثل بالزمان في العقيدة الأرسطية بخصوص المتناهي . وفي حين أن أرسطو كان يقر بامتداد لامتناه في الزمان ، وذلك برفضه اللامتناهي بالفعل في مجال الامتداد في المكان ، فإن الكندي كان يرفض هذا التمييز معتبراً أن المدة الزمانية يجب أن تكون متناهية هي أيضاً . وبذلك نجد أنفسنا إزاء عالم متناه ، كما عند المتكلمين ، في الزمان والمكان . ولا يقتصر الأمر على هذه النقاط المشتركة وحدها . فمن المرجح أن الكندي فهم الماورائيات على أنها لاهوت بشكل أساسي بدلًا من أن تكون نظرية في الجوهر . وبذلك نكون ، على مستوى الكوزمولوجيا النمطية ، إزاء انصهار حاسم للماورائيات الأرسطية - الأفلاطونية المحدثة ، من جهة ، ونظريات الكلام ، من جهة أخرى . فالكندي يأخذ من الأولى العناصر الأساسية في وصف العالم : ما تحت فلك القمر ، وما فوق فلك القمر ، الفصائل والأنواع الحية ، المحرك الأول . وهو يفهم المحرك الأول كعلة فاعلة للكون والفساد ، الأمر الذي يسمح بالتقريب بين النظامين . ثم يستعير من الثانية مفاهيم كانت ، على الأكثر ، كامنة في التقليد الأرسطي : مفهوم الأصلح ، والإرادة الإلهية . فالكندي يعتبر أن الله يريد الأصلح : " فإن في نظم هذا العالم ، وترتيبه ، وفعل بعضه في بعض ، وانقياد بعضه لبعض ، وإتقان هيئته ، على الأمر الأصلح ، في كون كل كائن ، وفساد كل فاسد ، وثبات كل ثابت ، وزوال كل زائل ، لأعظم دلالة على أتقن تدبير ومع كل تدبير مدبر وعلى أحكم حكمة ومع كل حكمة حكيم لأن هذه جميعاً من المضاف " . وتتعزز هذه الاعتبارات بما أضافه الكندي إلى القائمة الأرسطية للحركات بالشكل الذي نجدها فيه في " المقولات " . فقد كان أرسطو اعتبر في عداد الحركات كلًا من الكون ، والفساد ، والزيادة ، والنقص ،