نخبة من الأكاديميين
858
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
وهذا المبدأ هو إما سلبي بشكل صريح ، كما في حال الشيطان ، أو أكثر التباساً ، كما في حال النفس . كل شيء يجري كما ولو أن سبب الشر هو تواطؤ بين النفس وبين الخبيث ، تواطؤ تستجيب فيه النفس لوسوسات الشيطان . ولا شك في أن الحسن البصري أعتبر أن من الإفراط دفع التساؤل اللاهوتي نحو مزيد من الخطى إلى الأمام ، أي نحو التساؤل عن السبب في كون النفس كذلك ، خصوصاً عن السبب في سماح الله للشيطان بأن يفعل ما يفعل . يمكن القول بأن تلك كانت أسئلة يحيلها على الأجيال القادمة . لا نعرف كيف استقبل الخليفة عبد الملك رد الحسن البصري . ولكن رسالة لأحد الخلفاء من بعده ، وهو عمر بن عبد العزيز ، يتصدى فيها لحرية الاختيار البشري ، جاءت لتؤكد الممانعة الأموية . وهكذا ، فإن احتلال السجال حول حرية الاختيار لموقع في قلب الدولة الإسلامية ، لم يكن بإمكانه إلا أن يتشعب ويتعمق . وهنا لا بد من الإشارة إلى خطين طبعا اللاهوت الجديد ، إضافة إلى انصرافه الدائم إلى التفكير بموقعية العمل البشري . الأول هو ميله غير المسبوق ، في تاريخ الأديان المنزلة ، إلى تطوير أونطولوجيا للمحسوس ؛ والثاني هو معالجته للصفات الإلهية . علوم الطبيعة عند المتكلمين ، أو آثار القدرة الإلهية اهتم المتكلمون بعلوم الطبيعة إلى حد كبير وذلك منذ القرن الثاني للهجرة على الأقل . وقد فهمت هذه العلوم - كيف لا وهي تعبير عن القدرة الإلهية - على أنها دراسة فعل الله في العالم . وقد ظهر بشكل كاف من الوضوح ، كيف أن دراسة الطبيعة في علم الكلام هدفت إلى الإجابة على أسئلة خطرة من وجهة النظر الدينية ؛ كانت قد طرحت من قبل التقليد الأرسطي . ويكمن المبدأ الضمني الأول عند المتكلمين في تفاؤليتهم الإبستيمولوجية المتينة التي دفعتهم إلى الاعتقاد بأن العلم الإلهي والعلم البشري بالعالم هما متماثلان أو ، على الأقل ، متجانسان إلى أبعد الحدود . بكلام آخر ، إن الفرق بينهما هو فرق في الدرجة لا فرق في النوع . وهذا يفضي إلى القول بأن ما لا يطاله الفكر البشري لا يطاله الفكر الإلهي أيضاً . فالله يعلم أموراً يمكننا أن نعلمها ، من حيث المبدأ ، ولكن ضعفنا يحول دون ذلك على مستوى الفعل . وبالمقابل ، فإن ما نتصوره على أنه ، من حيث المبدأ ، غير معقول في العالم لا بد أن يكون كذلك أيضاً بالنسبة لله . هذه المقولة الإبستمية تحتوي على قضية أساسية هي عدم وجود اللامتناهي . والشيء اللامتناهي لا يمكن ان يخلقه الله لأننا لا نستطيع أن نتصور مخلوقاً غير متناه . أما الفرق في النوع ، فيقع على مستوى آخر ، بين العالم من جهة ( كموضوع للنظرالكلامي ) وبين الله ، من جهة أخرى ، بما هو الوحيد القديم ، أي الكائن الوحيد الذي يحيط بذاته باللامتناهي . ولنسجل أخيراً ، أن المتكلمين لا يحبون التوقف طويلًا عند النقطة الأخيرة هذه بسبب امتناعهم الشديد عن التخلي عن إطار ما هو قابل للتصور من قبل البشر . ولكن ، ما هو القابل للتصور في العالم ، وما هو غير القابل للتصور ؟ هذا السؤال هو ما سيصبح ، في ما بعد ، حداً فاصلًا بين المتكلمين والفلاسفة . فهو يقيم تعارضاً بين تصورين للممكن . لأن الممكن عند