نخبة من الأكاديميين

859

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

المتكلمين يتسع بقدر اتساع القدرة الإلهية ، أي أنه يحيط بكل ما هو غير متناقض منطقياً . وهو يتسع أيضاً عند الأرسطيين بقدر اتساع قدرة الطبيعة . ولا ينجم عن ذلك ، في العادة ، غير فرق ضئيل جداً ، لأن أوجه الانتظام في العالم تفسر إما كأثر للنظام الطبيعي الثابت ، وإما كأثر لعادات الله . وهنا تأتي مسألة المعجزات لتستدعي الفارق العميق بين النظامين . إن حدوث معجزة ما ، أي حدوث " خرق للعادة " ، يثبت أن نظام العالم ليس إلا تحقق ممكن بين ممكنات أخرى . وبالمقابل ، فإن رؤية متكاملة للطبيعة ، بدءاً بالمبدأ الأول غير المستغرق في التأمل ( ratiocinant ) وانتهاء بالمادة ، لا تقر ممكناً غير الواقع ، وتفسر كل ما يتبقى على أنه مجرد لعبة يلعبها الخيال . يمكنني أن أتخيل عالماً فيه بساط الريح والكثير من الطيور الهائلة الأحجام ، لكن ذلك يظل مجرد لعبة خيال لا طائل تحتها ، أي مجرد نوع من " الممكن الوهمي " . اللاممكن عند المتكلمين ، كما سبق وقلنا ، هو " المتناقض منطقياً " . وهنا لا بد من القول أن هذا التصريح غامض وغير صحيح . إنه لمن الصحيح ، بالطبع ، أنهم يعتبرون أن القضية التي تناقض مبدأ عدم التناقض ، أي إلمبدأ الذي يمكن أن ينتهي إلى القول بهوية " أ " و " لا أ " ، إنما تصف وضعاً للأشياء لا يمكن أن يحققه الله نفسه . فالله لا يمكنه مثلًا أن يجعل ال - 3 مساوية ل - ل - 4 ، أو المربع مساوياً للدائرة . هذا الموقف يسبغ إذن قيمة موضوعية على مقاربتنا الواضحة والمتميزة للأشياء . ولكن ، هنالك منطقة أكثر تشوشاً لا يمكننا أن ندركها إلا إذا كنا نمتلك مسبقاً أطروحات حول العالم الطبيعي . وعليه ، فإن العلم أو عدم العلم بوجود جوهرين في مكان واحد ، أو بوجود جوهر واحد في مكانين مختلفين يستدعي وجوداً مسبقاً لأطروحات معينة حول الجوهر وحول ما يعنيه أن يكون موجوداً في مكان ما . وتأتي المواقف المغايرة التي اتخذها النّظَّام بصدد هذه المسائل لتذكرنا أننا قد أصبحنا خارج المجال " المنطقي " المحض . فالمذهب الذري عند المتكلمين ، وهو المذهب الذي يفرض استحالة وجود غير جوهر ذري واحد في مكان واحد ، واستحالة وجود الجوهر الذري عينه في مكانين مختلفين ، يفرض نفسه لجهة صلاحيته التفسيرية ، لكنه لا يفرض نفسه مطلقاً كبديهية " منطقية " . سنعود لاحقاً إلى مسألة اللامتناهي . غير أنه يمكننا أن نسجل منذ الآن أن وجود اللامتناهي هو ، بالنسبة للغالبية الساحقة من المتكلمين ، باستثناء معمر ، على قدر من التناقض يكافئ القول بتساوي ال - 3 وال - 4 . ذلك أن الوجود يتطلب نوعاً من التحقق الطبيعي ، وكل تحقق طبيعي يفترض كوننا نستطيع ، من حيث المبدأ ، أن نحده ونعده . وعندما نقول أن المتناهي موجود ، فإن ذلك يساوي قولنا أن شيئاً ما هو موضوع مقاربة ممكنة وليس موضوع تلك المقاربة ، وهذا متناقض . يشهد على ذلك القرآن أخيراً حيث يقول أن الله ( " أحصى كل شيء عدداً " ) . وتعوزنا وثائق كثيرة جداً ليصبح بإمكاننا أن نعرف ما إذا كان المتكلمون قد علموا باكراً بالتمييز الأرسطي بين اللامتناهي بالفعل والمتناهي بالقوة . وإنه لمن المرجح ، حتى لو أنهم علموا بذلك ، أنهم لم يدركوا أهميته مطلقاً ، لأن المتناهي بالقوة يطرح مشكلات خطيرة هي أسوأ بكثير من المشكلات التي يسعى إلى حلها .