نخبة من الأكاديميين
857
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
في القرآن ؟ . . فإنا لم نسمع في هذا الكلام مجادلًا ولا ناطقاً قبلك . فحصل لأمير المؤمنين رأيك في ذلك وأوضحه " . بهذا ، يقدم الخليفة الأموي بطريقة مثيرة للاهتمام قائمة بالطرق الممكنة الثلاث في التأويل ، دون أن يستثني منها التفسير الحر . ويحرص الحسن البصري في إجابته على عدم التمييز بين هذه الطرق الثلاث ، مقتصراً على تبيان الاتفاق بين العقل والنقل . فالعقل يعطينا المقدمة القائلة بأن الله لا يسعه أن يكون ظالماً ومتناقضاً ( الله عادل وحكيم ) . ثم يمضي الحسن البصري ، معتمداً على مجموعة من الآيات القرآنية ، الدالة على العدل الإلهي ، وبطريقة أكثر إثارة للاهتمام بمعنى ما ، على واقع أن الله يخيرنا ويحاسبنا تبعاُ لما فعلناه إزاء تلك الخيارات . يقول الحسن البصري مثلًا : " إعلم يا أمير المؤمنين أن الله لم يجعل الأمور حتماً على العباد ، ولكن قال : إن فعلتم كذا فعلت بكم كذا ، وإن فعلتم كذا فعلت بكم كذا " . إن هذا الرد الذي قدمه الحسن البصري يتناول مشكلات عديدة ويتركها مفتوحة ، خصوصاً مشكلة العوالم الممكنة التي يرسم الرد مجالها . وإذا كان الله يعرف كيف يعطي كل فعل قيمته الحقة ، فلأن الحرية البشرية لا تستتبع وجود أي غموض للعالم في نظر الله . وعليه ، فإن الله يمتلك وسائل لأن يقدر كل شيء في العالم : ليس فقط القسم الذي يخلقه من العالم ، بل أيضاً القسم الذي يتوقف على الخيارات البشرية . فما يرتسم هنا هو إذن التمييز السكولائي الأساسي بين أنواع ثلاثة من العلم الإلهي هي " علم الرؤية " و " علم العقل البسيط " و " العلم الأوسط " . علم الرؤية هو معرفة الله بعالمنا هذا بكليته ؛ علم العقل البسيط هو معرفته بكل العوالم الممكنة ، بغض النظر عن كونها موجودة أم لا ، ولمجرد انها ممكنة الوجود ؛ أما العلم الأوسط ، فهو علم الله بحدود البدائل لحظة وقوف الإنسان أمام الاختيار . وستقوم نظم فلسفية مختلفة بوضع نظريات مختلفة في المعرفة الإلهية كان من شأنها أن تفضي إلى إنكار صحة هذا أو ذاك من أنواع العلم الثلاثة . فليبنتز مثلًا ، رفض على الدوام أن يعترف بالعلم الأوسط . فهذا العلم مستوعب ، بنظره ، في معرفة الله الكلية بالممكنات . وسنلاحظ في الصفحات القادمة وجود توتر نشأ ، في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة عند العرب ، عن التقريب بين النوعين الأول والثاني . ولكننا نلحظ فوراً ، عند الحسن البصري ، أهمية النوع الثالث ، أي العلم الأوسط . ذلك أن لحظة الاختيار تمتلك تماسكاً وصلابة ليس فقط بالنسبة لنا ، حيث أن ذلك بديهي ، بل أيضاً بالنسبة لله ، حيث أن ذلك ليس بديهياً بلا نقاش . فالله يعلم ما سيفعله فيما لو اختار زيد أن يفعل " خ " ( الخير ) أو " ش " ( الشر ) ، ولكن الله لا يشاء لزيد ان يفعل " خ " أو " ش " . وإنه من الممكن ( وإن كان الحسن البصري لا يقوله جهاراً ) أن يكون الله عالماً منذ الأزل بما إذا كان زيد سيفعل " خ " أو " ش " ، ولكن ذلك لا يؤثر بحال على خيار زيد ، حيث أنه حر . وسيقدم الفارابي ، لاحقاً ، تفسيراً بهذا المعنى للفصل الذي يتحدث عن الحوادث المستقبلية في كتابه في التفسير " De interpretario " ، مع إبداء حرصه على الفصل بين علم الله بتلك الحوادث وبين الجبر . ولكن ، قد يقال ، لماذا لا يجعل الله ، وهو القادر ، زيداً يختار الخير بدلًا من الشر ؟ الحسن البصري يترك هذا السؤال في الظل . لكن موقفه يظهر بين السطور . ففي مقابل الله ، هنالك مبدأ مستقل نسبياً .