نخبة من الأكاديميين

856

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

غير المسبوق جعل من مشكلة القدرة الإلهية حساسة بوجه خاص : علاقة الله بالبشر عالمية ( فهو يعنيهم جميعاً بالصفة ذاتها ) ومباشرة ( تتم من دون واسطة ) . وعليه ، فإن مشكلة الشر الفلسفية - اللاهوتية القديمة تطرح نفسها ، في الإطار الإسلامي ، بحدة متزايدة . كما ينبغي أيضاً أن نضيف عنصراً ليس بغير ذي أهمية : عدم إيلاء الإسلام غير اهتمام ضئيل جداً لفكرة الخطيئة الأصلية ، يجعل من تفسير عذابات الأبرياء أمراً أكثر صعوبة إذ كان هنالك ، منذ تلك اللحظة ، أناس أبرياء حقاً . وهكذا ، نجد أنفسنا في عالم إسلامي سرعان ما انقسم ، على المستوى السياسي ، في حين شهد ، على المستوى اللاهوتي ، إلغاء للوسائط والتقسيمات التي ، إن قلنا بأنها لم تلغ مفاعيل مشكلة الشر في الأبوية المسيحية فإنها ، على الأقل ، جعلتها أقل وطأة بكثير . كان المأزق جذرياً إذن : إما إله نحتفظ بقدرته ، ولكن دون أن نتمكن من فهم مقاصده ولا يمكن إذا ما شئنا أن نقول كل شيء دفعة واحدة ، من فهم عدله ؛ وإما إله عادل بشكل كامل ، ولكن مع خفض قدرته بهدف التسليم بأن بعض الأحداث المرتبطة بالإرادة البشرية قد سحب منه ، بشكل ما ، أمر تقريرها . ولنقل ، مرة أخرى ، أن هذا المأزق لم يكن جديداً ، ولكنه لم يسبق له مطلقاً أن طرح نفسه بكل هذه القوة ( أو ، وهذا يعني الشيء نفسه ، بكل هذه البساطة ) . أفضل دليل على ذلك هو أن هذا المأزق سيصبح مؤسساً لبنية ( structurant ) علم الكلام الناضج في الإسلام أقصد بتعبير " مؤسس للبنية " وأن ما قدمه من إجابات هو ما سيملي الانتماء إلى مختلف المذاهب الكلامية ، وهو الأمر الذي لم يحدث مطلقاً في السابق . الشهادة الأولى على حدوث هذا النقاش تعود إلى أوج الحقبة الأموية : إنها الجواب الذي قدمه الحسن البصري ، أول المعتزلة ، وفقاً لمؤرخي العقائد ( doxographes ) القدماء ، على رسالة بعثها إليه الخليفة عبد الملك [ بن مروان ] حول مسألة القدر . فالخليفة ، وهو الذي يعرف مبلغ تقوى الحسن البصري وغيرته على الفقه الإسلامي ، استغرب عقيدة القدر التي كان يقول بها ذلك العالم ، وقال أنه لم يبلغه أن أحداً من السابقين قال بمثل تلك المقالة ، وأعرب عن رغبته في أن يعرف عمن أخذ تلك العقيدة : ( عن أحد من أصحاب رسول الله ، أم عن رأي رأيته أم عن أمر يعرف تصديقه في القرآن ) . وقد جاء في تلك الرسالة : " فقد بلغ أمير المؤمنين عنك قول في وصف القدر لم يبلغه مثله عن أحد ممن مضى ، ولا نعلم أحداً تكلم به ممن أدركنا من الصحابة ، رضي الله عنهم ، كالذي بلغ أمير المؤمنين عنك . وقد كان أمير المؤمنين يعلم منك صلاحاً في حالك ، وفضلًا في دينك ، ودراية للفقه ، وطلباً له ، وحرصاً عليه . ثم أنكر أمير المؤمنين هذا القول من قولك ، فاكتب إلى أمير المؤمنين بمذهبك ، والذي به تأخذ ، أعن أحد من أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ . . أم عن رأي رأيته ؟ . . أم عن أمر يعرف تصديقه