نخبة من الأكاديميين
855
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
المظهر الأكثر إحراجاً في هذا الموقف حيث دفع ببعض جذريي المذهب إلى الخروج من الحرج بتأكيد وجود ثلاثة آلهة . وهم يعتمدون في ذلك على قراءة أسمية ( nominalisante ) للمنطق الأرسطي مفادها أن الكليات لا تتمتع بتماسك أونطولوجي في حين أن الأفراد وحدهم موجودون . كما أنهم يطبقون هذه المعادلة على العلاقة بين " الإله " ( . . 5 . ) والأقانيم الثلاثة . فالإله ليس إلا تجريداً ، ولا وجود إذن إلا للآلهة الثلاثة . وهذا ما شكلته ، بوجه خاص ، أطروحة الكتابات الأخيرة ليوحنا الغراماطيقي ( النحوي ) المعروف باسم يوحنا فيلوبونوس الذي اتهمه خصومه المسيحيون بالانتكاس إلى الوثنية . القدرة والعدل تلك هي إذن الصورة التي كان عليها المجال الفلسفي عندما وصل العرب إلى مسرح التاريخ العالمي . لذا ، فإن العديد من السمات المميزة لفلسفة العصر اليوناني القديم في حقبته المتأخرة ستظهر في الفلسفة العربية . لكن ذلك كله لم ينظر إليه على الفور على أنه جدير بالاهتمام . الأمر الأول الذي ينبغي تسجيله هو القطيعة الكبرى بين التقاليد الفلسفية اليونانية القديمة وبين الموضوعات التي خضعت للنقاش خلال القرن الهجري الأول . وبالنظر إلى النقص الشديد في ما وصل إلينا من معلومات ، فإننا لا نستطيع أن نتبين أدنى أثر للتواصل بين مختلف الاتجاهات اليونانية وبين الفكر الإسلامي في المراحل الأولى . هنالك انطلاقة جديدة يمكن تفسيرها ، إلى حد بعيد ، بجدة الحضارة الإسلامية كظاهرة تاريخية : شريعة جديدة ، توزيع جديد للثروات ، لغة عالمية جديدة ، وبعد مدة وجيزة ، وحدة جديدة للنقد ( العملة ) ، ألخ . ويبدو ان المسألة النظرية الأولى ولدت على مفترق الطريق بين الحقل اللاهوتي ( الكلامي ) والحقل السياسي ، من خلال عمل مزدوج لإنتاج المشروعية : تمثل ذلك في المحاولات الأولى لتقييم الفعل البشري ، وبوجه أكثر عمومية ، لتقييم أحداث التاريخ البشري . أما من الناحية السياسية ، فقد كان السياق سياق الانقسامات الأولى بين المؤمنين ، خصوصاً بعد استلام السلطة من قبل الأمويين . لقد كان على كل طرف ، سواء كان في موقع القوة أم في موقع المعارضة ، لأنه كان يطرح نفسه أيضاً على أنه في خط النبي ( ص ) ، أن يكون قادراً على شرح موقفه السياسي بلغة الخيارات الإلهية . وإنه لمن نافلة القول أن يكون معسكر السلطة ميالًا لأن يرى في الوضع القائم نتيجة للإرادة الإلهية ، في حين كانت الأحزاب المهزومة أو المضطهدة أو ، ببساطة ، المتحولة إلى أقلية ، أقل قدرة على نسبة كل حدث إلى الله . لذا ، فقد أعطوا حيزاً أكبر لحرية الاختيار البشري وأسبغوا تماسكاً حقيقياً على خيارات البشر ، حسنة كانت أم قبيحة . المشروعية الثانية هي مشروعية الله بما هو ، في الإسلام ، خالق ومتعال في آن معاً . وبالطبع ، فإن فكرة وحدانية إلهية جذرية ليست جديدة في التاريخ ، ولكن القول ممكن بأن تلك كانت المرة الأولى التي يجتمع فيها التوحيد الجذري مع العالمية الجذرية . ففي حين كان الإله الواحد عند العبرانيين مرتبطاً بقبيلة ، والإله الواحد عند المسيحيين وإن كان عالمياً غير أنه مرتهن للشكل الذي كان يمكن أن يفهم من خلاله سر الثالوث ، فإن إله الإسلام واحد ، وفي آن معا ، هو وحده إله كل كائن بشري . هذا الموقف