نخبة من الأكاديميين
853
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الأنماط الأونطولوجية ، كالجوهر والنوع والجنس والفرق والعرض والخاص ، إلخ ، أكثر مما كان نظرية في العلم . ويعود ذلك إلى سببين ، أولهما سلبي والثاني إيجابي . في المقام الأول ، لا يأخذ اليقيني ( apodictique ) عند أرسطو معناه إلا بإحالته على الماورائيات وعلم الأحياء الأرسطيين ، وهما مجالان كانا مهملين . في المقام الثاني ، كانت الإمبراطورية الرومانية الشرقية في ذلك الوقت فريسة لصراعات لاهوتية تركزت على موضوعين رئيسيين : الثالوث وتجسد المسيح . والواقع أن هاتين المسألتين اللتين تطالان بنية الجوهر ( substance ) قد تم التعبير عنهما في الرسائل الأولى من الأورغانون ( مجموعة كتابات أرسطو حول المنطق ) ، وخصوصاً في كتاب المقولات ( categories ) . وهذا التماثل يتطلب حداً أدنى من الثقافة " المنطقية " . أما محاولات تكييف الأفلاطونية المحدثة على المسيحية ، فيمكننا أن نميز فيها بين جوانب ثلاثة : فهنالك ، من جهة ، أفلاطونية عاقلة عند الآباء القابادوقيين ، أمثال غريغوريوس النازيانزي ، وباسيليوس القيصري ، وغريغوريوس النيصصي ، وكذلك أيضاً الحالة الخاصة المتمثلة بدينيسيوس الكذاب / المنتحل . إذ من المعروف كيف أن أحد المسيحيين قد عمد ، في نهاية القرن الخامس ، إلى كتابة رسائل في اللاهوت المسيحي مستوحاة بشكل كامل من الأفلاطوني المحدث ، بروقلوس ، وكيف أنه نسبها إلى دينيسيوس الأريوباجي ، تلميذ القديس بولس . وحدث لعملية التزوير هذه أن لاقت نجاحاً فاق آمال الكاتب ، وانتشرت الرسائل المزورة في مجمل أنحاء العالم القديم خصوصاً بين الجماعات السريانية . وقد أخذ الكاتب عن بروقلوس تصوره عن البنية الهرمية للعالم ، بدءاً من المبدأ الأول وانتهاءً بالمادة ، مروراً بالموقع الوسيط للإنسان . وبطبيعة الحال ، كان يعمي على مظاهر الأفلوطونية المحدثة الأقل قابلية لأن تتماشى مع العقيدة المسيحية . على هذا ، وأياً كان مقدار الفلسفة التي نجدها في الثقافة اللاهوتية المسيحية ، فإن الأمر لم يكن مطلقاً عبارة عن قبول بنظام فلسفي مقدم من كاتب وثني . فقد دار الأمر بين اعتماد مبحث " محايد " كالمنطق الأولي الذي لم يكن بحاجة لأن يحمل اسم " الفلسفة " ، أو تزويق العناصر المستعارة لسبكها داخل تصور كوزمولوجي مسيحي . ولم يكن من الممكن ، حتى العام 500 م لأي كاتب مسيحي أن تخطر بباله فكرة تقديم نفسه على أنه " أرسطي " . لكن الأمور تغيرت خفية ، أو لنقل دفعة واحدة ، ولكن بقدر متواضع ، اعتباراً من القرن السادس . فالجامعة الأكثر أهمية في تلك الفترة ، أي مدرسة الإسكندرية التي كانت - بلا شك - تستقبل طلاباً كثيرين من سكان المدينة ، بدأت ، بعد أن كانت قد استقبلت أساتذة وثنيين ، بإيكال بعض المهام في تدريس الفلسفة إلى أساتذة مسيحيين . آخر ثلاثة من الأساتذة الذين نعرف أسماءهم ، وكانوا من المسيحيين هم إلياس وداوود وأسطفانوس . وهنا يمكن الظن بأن الفلسفة أصبحت حينئذ مادة نظر إليها على أنها منسجمة مع دين سماوي . لكن الأمر لم يكن كذلك . لأن بعض المؤشرات تذهب في اتجاه يدل على أن هؤلاء الأساتذة المسيحيين كانوا يحرصون ، بمنتهى العناية ، على تجنب المواضيع الحساسة . فما حصل إذن لم يكن انصهاراً بقدر ما كان نوعاً من الانفصام في ذهن مثقفي ذلك الزمن . كانوا يأخذون المجالين ، اللاهوت والفلسفة ، مع المحافظة على مسافة معتبرة بينهما ، ويتجنبون إجراء قراءة فلسفية