نخبة من الأكاديميين

841

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

والماء ، ولا يمكن بأي حال أن نأخذ بجميع آرائهم في هذا المجال دون تمحيص ، فلا يعقل أن يحصل ذلك التغيير في الزمن القصير الذي لا يمكن أن يقاس بالأزمنة الجيولوجية الطويلة ، على أن ذلك الزمن يعتبر طويلًا بالنسبة لمعرفتهم المحدودة بعمر الأرض . لكن آراء بعض أولئك العلماء في تبادل اليابس والماء تطابق بعض ما قيل في نظريات أسباب تكون الجليد في الزمن الرابع ، وبخاصة القول باحتمال حدوث تغييرات طارئة في حركة كوكب الأرض أو في محورها ، وكذلك التغير في تركيب عناصر الجو ، وهو ما عبَّر عنه ابن سينا بغلبة « أحد العناصر الأربعة على الربع المعمور كله أو بعضه » . ومعلوم أن فترات تقدم الجليد التي حدثت خلال البلايستوسين قد أحدثت بعض التغيير في توزيع اليابس والماء ، يدل عليه مجموعة من البحيرات التي اكتشفت آثارها في الصحاري العربية . 2 - بيَّن العرب أثر الصخرية في تبادل اليابس والماء ، ومن خلال كلامهم عن تلك الدورة يتبين مدى فهمهم لها ، ويتمثل ذلك في نص المسعودي « فإن لمواضع الأنهار شبابا وهرما وحياة وموتا . . إلخ » ومن الواضح أنه يقصد بمواضع الأنهار الأودية النهرية . وجاء إخوان الصفا والكرخي فزادوا نص المسعودي إيضاحاً ، فقد بيَّن الكرخي بإيجاز ووضوح العلاقة بين مجموعتي العمليات الداخلية والخارجية من حيث تضافرها في حفظ الصلة بين التضاريس الموجبة والتضاريس السالبة ، وهو ما يطلق عليه الجغرافيون المحدثون اسم « ظاهرة التوازن الأرضي » ، وقد نص الكرخي - مثلًا - على أن العمليات الداخلية تتدخل كلما زادت العمليات الخارجية من ردمها للتضاريس الأرضية عن مستوى محدد عبّر عنه بكلمة « المساواة » . 3 - الإطماء النهري وأثره في تقدم مصبات الأنهار من الظاهرات التي شغلت العلماء منذ أيام الإغريق ، ويتمثل ذلك في نصوص هيرودوت عن نيل مصر واعتقاده بوجود خليج في موضع الدلتا قام النهر بردمه برواسبه ، وكذلك في قياسه لسمك الطمي عند الساحل الشمالي لمصر . وفي الفترة العربية نجد نصوص المسعودي عن تقلص الساحل الشمالي للخليج نحو الجنوب بفعل الإرساب النهري ، تشابه بعض النظريات التي قيلت في هذا الموضوع في عصرنا الحاضر ( « 1 » ) . وبيَّن البيروني أثر المجاري النهرية المنحدرة من جبال هملايا في تكوين سهول الهند ، وقدم تقريراً مفصلًا عن خوارزم وجرجان وما جاورهما ، وكيف أدت التغيرات المناخية إلى تغيرات واضحة في مناطق اليابس والماء في تلك المنطقة . 4 - لم يقتصر العرب على الأمثلة التطبيقية ، التي هي بلا شك ناتجة عن دراسة ميدانية للمنطقة محل البحث ، بل عززوا ذلك ببعض التجارب المعملية ، كما فعل ابن سينا في فكرته عن تكوين الجبال وهو قوله : « كما إذا نقعت آجرة وترابا وطينا في الماء ثم عرضت الآجرة والطين والتراب على النار ، عرض للآجرة أن زادها الاستنقاع استعداداً للتفتت بالنار ثانياً ، وللتراب والطين استعداداً لاستحجار قوي » فالآجرة هي الصخور والجبال القديمة ، والماء بمثابة البحار والمحيطات ، والنار بمثابة أشعة الشمس وأثرها الحراري . وقد أثبت بذلك فكرته إثباتاً علمياً جيداً .

--> ( 1 ) أنظر على سبيل المثال كيرتس لرسين : « منطقة الدلتا في بلاد ما بين النهرين ، إعادة للنظر في دراسة ليزوفالكون » ترجمة فيصل الوائلي ، مجلة كلية الآداب والتربية ، جامعة الكويت ، العدد السابع 1976 م .