نخبة من الأكاديميين
840
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
مفرط يقع من الرمال على براري عامرة أو لكيفية تسيل أرضية باردة مجمدة مما حدثنا عنه . والهوائية تقع من حركات ريحية شديدة جداً مفسدة . ومما يقنع وجود هذه وحدوثها كثرة الأخبار المتواترة في حدوث طوفان الماء ، ومما يقنع في إثبات ذلك أن الأشياء القابلة للزيادة والنقصان والقلة والكثرة ، وإن كان أكثر الوجود فيها الوجود المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وما يقرب منه ، فإن طرفهما لا يخرج عن حدِّ الإمكان ، وكما يتفق كثيراً أن تأتي على بقاع عظيمة من المعمورة فلا يكون فيها مطر البتة ، وذلك في جانب النقصان ، وكذلك قد يفرط المطر دفعة واحدة ، ويستحيل الهواء دفعة إذا كان ما بين هذه الأوساط مختلفاً بالزيادة والنقصان وكذلك في سائر الطوفانات » ( « 1 » ) . ونجد في كتابات ابن سينا مجموعة من النصوص التي تضيف الكثير إلى ما ذكره بشأن انتقال اليابس والماء ، وكل نص من تلك النصوص يزيد تلك الفكرة إيضاحاً وتفسيراً . ويؤكد في جميعها عنصر الزمن ، وأن ذلك يتم ببطء وعلى مدى فترات طويلة ، ومن تلك النصوص : * يجوز أن يعرض للبحر أيضاً أن يفيض قليلًا قليلًا على بر مختلط سهل وجبل ثم ينضب عنه ، فيعرض للسهل منه أن يستحيل طيناً ولا يعرض ذلك للجبل ، وإذا استحال طيناً كان مستعداً لأن يتحجر عند الانكشاف ، ويكون تحجره تحجراً سافياً قوياً ، وإذا وقع الانكشاف على ما تحجر ، فربما كان المتحجر القديم - في حد ما - استعد للتفتت ، ويجوز أن يكون ذلك يعرض له عكس ما عرض للتربة من أن هذا يرطب ويلين عوداً ويعود تراباً وذلك يستعد للحجرية ، كما إذا نقعت آجرة وتراباً وطيناً في الماء ثم عرضت الآجرة والطين والتراب على النار ، عرض للآجرة أن زادها الاستتنقاع استعداداً للتفتت بالنار ثانياً ، وللتراب والطين استعداداً لاستحجار قوي » . * « يجوز أن ينكشف البر عن البحر ، وكل بعد طبقة ( كذا ) ، وقد يرى بعض الجبال كأنه منضود سافا فسافا ، فيشبه أن يكون ذلك بأن طينتها في وقت ما كذلك كانت سافا فسافا بأن كان ساف ارتكم أولًا ، ثم حدث بعده في مدة أخرى ساف آخر فارتكم ، وكان قد سال على كل ساف جسم من خلاف جوهره ، فصار حالًا بينه وبين الساف الآخر » ( « 2 » ) . * فالجبال تكونها من أحد أسباب تكون الحجارة ، والغالب أن تكونها من طين لزج جَفَّ على طول الزمان ، تحجَّر في مُدد لا تضبط ، فيشبه أن تكون هذه المعمورة قد كانت في سالف الأيام غير معمورة بل مغمورة في البحار ، فتحجرت ، إما بعد الانكشاف قليلًا قليلا في مدد لا تفي التأريخات بحفظ أطرافها ، وإما تحت المياه لشدة الحرارة المحتقنة تحت البحر ، والأولى أن يكون بعد الانكشاف وأن تكون طينتها تعينها على التحجر ، إذ تكون طينتها لزجة ، ولهذا ما يوجد في كثير من الأحجار إذا كسرت أجزاء من الحيوانات المائية كالأصداف وغيرها ( « 3 » ) . ومما تقدم يمكن أن نخلص إلى النتائج التالية : 1 - اعتقاد اليونان والعرب بوجود دورة فلكية تؤدي إلى تغيرات مناخية يتبادل بموجبها اليابس
--> ( 1 ) ابن سينا : كتاب الشفاء ، المعادن والآثار العلوية ، ص 75 - 76 . ( 2 ) ابن سينا ، المصدر نفسه ، ص 8 - 9 . ( 3 ) ابن سينا ، المصدر نفسه ، ص 7 .