نخبة من الأكاديميين
84
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
بدأت أعداد لا حصر لها في التوجه إلى ضريح المخلِّص في القدس من شتى بقاع الدنيا ، في أعداد تفوق توقعات أي إنسان . ولم يكن الذاهبون إلى هناك من العامة وأبناء الطبقة الوسطى فحسب ؛ وإنما ذهب إلى هناك كثير من الملوك الكبار ، والكونتات ، والنبلاء . وأخيرًا ، وهذا شئ لم يحدث من قبل ، انطلق بعض الفقراء . وكان عديدون يتمنون الموت هناك بدلًا من العودة إلى ديارهم . . . » . ومن ناحية أخرى ، رأت البابوية في المشروع الصليبي سلاحًا بتاراً في صراعها ضد الإمبراطورية الرومانية المقدسة من أجل السيادة على أوروبا . فقد كانت البابوية تأمل في تحويل القوى المحاربة الأوروبية إلى قوى تعمل لتحقيق أهدافها السياسية على حساب الحكام العلمانيين . كانت البابوية بالفعل قوة سياسية لها مصالحها الخاصة وأهدافها المستقلة عن أهداف الحكام والمتعارضة معهم أحيانًا . وفي رأينا أن فكرة الحملة الصليبية كانت التطور المنطقي للحج المسيحي إلى الأرض المقدسة في فلسطين ؛ إذ لم تكن هذه الفكرة لتطرأ على بال أحد لو لم تكن رحلات الحج الكاثوليكية ، التي استمرت منذ فترة باكرة وحتى أواخر القرن الحادي عشر الميلادي ، قد أدت بالضرورة إلى فكرة أن الأرض التي شهدت قصة المسيح ، وفيها ضريحه ، لابد أن تكون تحت سيطرة أتباعه . وكانت الكنيسة الكاثوليكية ترى أنها الكنيسة الوحيدة على طريق الإيمان الصحيح . ولم يكن السبب في ذلك راجعًا إلى الرغبة في حل المشكلات ومواجهة المتاعب التي كان الحجاج الكاثوليك يلاقونها في السفر بطبيعة الحال بل لأن أوروبا التي بدأت تشعر بقوتها من ناحية ، وتقارن بين حالها وحال كل من بلاد المسلمين والدولة البيزنطية المتقدمة من ناحية أخرى ، رفضت بقاء هذه المناطق بأيدي المسلمين الذين صورتهم الدعاوة الكنسية في صورة الكفار المتوحشين . وهنا انتقلت الصورة في الذهنية الأوروبية من العداء المتعقل إلى الهياج والعداء الهيستيري . ومن الأمور ذات الدلالة أن الكتاب الأوروبيين المعاصرين لهذه الأحداث لم يفرقوا أبدًا بين الحج والحملة الصليبية على نحو ما تكشف روايات المؤرخين اللاتين ؛ إذ كان الخط الفاصل بينهما رقيقًا للغاية . ومن ناحية أخرى ، وجدت البابوية ، والمبشرون والدعاة الكنسيون ، والمؤرخون اللاتين « السبب العادل Causa Justa » للحرب على أساس « استعادة » القدس من المسلمين « الكفار » . لقد كانوا يحاكمون زمانهم ، ويشيرون إلى الأرض المقدسة باعتبارها « مملكة المسيح » التي تنتمي إلى العالم المسيحي ، والتي يجب الدفاع عنها ، واستردادها من المسلمين الذين كانت الدعاوة الكاثوليكية ضدهم غاية في الكرم والسخاء وهي تغدق عليهم كل التهم والأوصاف الشريرة . ( 6 ) صورة المسلمين في كتابات الدعاوة الصليبية في هذا المجال ينبغي أن نلاحظ أن استجابة الأوروبيين الغربيين للحملة الصليبية الأولى لم تعتمد