نخبة من الأكاديميين

834

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

البحر أبداً بحراً ، بل قد يكون براً حيث كان مرة بحراً ، وعلى ذلك الأنهار وبدؤها ، فإن لمواضع الأنهار شباباً وهرماً وحياة وموتاً ، ونشئاً ونشوراً ، كما يكون ذلك في الحيوان والنبات ، غير أن الشباب والكبر في الحيوان لا يكون جزءاً بعد جزء وإنما تشب وتكبر أجزاؤها كلها معاً ، وكذلك تهرم وتموت في وقت واحد ، أما الأرض فإنها تهرم وتكبر جزءاً بعد جزء ، وذلك بدوران الشمس » ( « 1 » ) . وقد طبق المسعودي هذه الفكرة على بلاد العراق وبين أثر الأنهار في تراجع الساحل الشمالي للخليج إلى الجنوب ، وكذلك تغير مواضع المجاري النهرية وأثرها في اختلاف مواقع العمران . يقول المسعودي : « وكانت سفن الهند والصين تصل إلى الحيرة ، فلما انقطع الماء عن مصبه في ذلك الموضع انتقل البحر براً فصار بين الحيرة والبحر في هذا الوقت أيام كثيرة ، وأن من رأى النجف وأشرف عليها يتبين له ما وصفناه » ( « 2 » ) . وعن تغير مواضع المجاري النهرية وأثرها في اختلاف مواقع العمران أشار المسعودي إلى انتقال مجرى نهر دجلة شرقي بغداد في الموضع المعروف برقة الشماسية من الجانب الغربي من الضياع التي كانت بين قطربل ومدينة السلام إلى الجانب الشرقي من تلك الضياع ، وذكر أن لأهل المواضع التي انتقل عنها الماء مطالبات مع أهل الجانب الشرقي الذين تملكوا في ذلك الجانب ( « 3 » ) . ويخلص المسعودي بعد هذا البيان التطبيقي لأقوال أرسطو ( صاحب كتاب المنطق ) بمحاولة لقياس تلك التغيرات زمنياً ومن ثم التأكيد على العبارة الواردة في النص الأول عن تبادل مواضع اليابس والماء وحياة الأنهار وموتها ؛ يقول المسعودي : « فإذا كان الماء ( في شرقي بغداد ) في نحو ثلاثين سنة قد ذهب بنحو من سبع ميل ( 282 متراً تقريباً ) فإنه يسير ميلًا ( 1973 متراً ) في قدر مائتي سنة . فإذا تباعد النهر أربعة آلاف ذراع ( وهي مقدار الميل ) من موضعه الأول خربت بذلك السبب مواضع وعمرت مواضع ، وإذا وجد الماء سبيلًا منخفضاً وانصباباً وسَّع بالحركة وشدة الجرية لنفسه ، فاقتلع المواضع من الأرض من أبعد غاياتها ، وكلما وجد موضعاً متسعاً من الوهاد ملأه في طريقه من شدة جريته حتى يعمل بحيرات ومستنقعات ، وتخرب بذلك بلاد وتعمر بذلك بلاد ، ولا يغيب فهم ما وصفنا على من له أدنى فكر » ( « 4 » ) . وفي القرن الرابع الهجري أيضاً كتب إخوان الصفا ( « 5 » ) رسائلهم المشهورة في أبواب المعرفة المختلفة ، وحملت تلك الرسائل في طياتها الكثير من آراء الإغريق والرومان . وأكد إخوان الصفا على فكرة تبادل اليابس والماء وما يترتب على ذلك من صيرورة مواضع البراري بحاراً وغدراناً وأنهاراً ومواضع البحار جبالًا وسباخاً وآجاماً ورمالًا ، ومواضع العمران خراباً ومواضع الخراب عمراناً ، وأرجعوا ذلك كله إلى سببين فلكي وجيمورفولوجي : أ - الفلكي : وينشأ عن تغيرات في مواضع الكواكب تؤدي إلى اختلاف في مناخ بعض المناطق على الكرة الأرضية تكون نتيجته تغير أحوال اليابس والماء .

--> ( 1 ) المسعودي أبو الحسن علي بن الحسين : مروج الذهب ومعادن الجوهر ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، القاهرة 1964 م ، ج 1 ص 97 . ( 2 ) أبو الحسن المسعودي ، المصدر نفسه ، ج 1 ، ص 103 - 104 . ( 3 ) أبو الحسن المسعودي ، المصدر نفسه ، ج 1 ، ص 104 . ( 4 ) أبو الحسن المسعودي ، المصدر والصفحة نفسها . ( 5 ) إخوان الصفا جماعة سرية من المفكرين اتخذت من البصرة مقراً لها في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري . وقد وضعت هذه الجماعة سلسلة من الرسائل في معارف متنوعة شكلت في مجموعها موسوعة متكاملة لها نظرة خاصة إلى الكون والنفس ، وقد استمدت هذه الرسائل مصادرها من فلاسفة اليونان والفرس والهنود .